جاري تحميل الصفحة
مدارس المهدي
الإثنين, 08 شباط/فبراير 2016 09:47

وعاد...

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

- قصة واقعية

- مع اختتام فصول هذه القصة كان القدر يخطّ قصة أخرى؛أصيب أبو جواد في أثناء قيامه بواجبه الجهادي.

 

          هناك ... حيث تعانق ذرى المجد لازورد السماء ... حيث يبتهل أرز العلى في صلاته الأزلية... حيث تخشع الوديان في محاريب السكون وترتفع ترانيم العز فوق هامات الأبطال ...هناك لبنان.

لبنان عرين الأبطال، سفر أمجاد، في صفحاته سطور عز ورفعة وإباء، وأسماء لا تموت، تحمل أخبارها الرياح، وإليكم قصة خالدة سردتها لي يوما ....

فاستهلّت قصّها بصراخ أحدهم مستبشراً:

-         لقد ولد! لقد ولد! هكذا أخبرني الطبيب!

-         هل أنت متأكد ؟! هلاّ تتأكد من ذلك؟

تلعثم لبرهة ومن ثمّ استرسل قائلاً: "هل ..هو جميل، أهو بصحة جيدة، ما لون بشرته...هل ..هل..؟؟" ومن فرط شوقه لم يكد يكمل كلامه، وهرع يبحث عن الغرفة التي سيحظى فيها بطفله الّذي انتظره لأشهر عدّة، وما عاد يطيق فراقه، ولو لمدة وجيزة من الوقت. وبفعل سحر الحبِّ والحنان. أخذ -وكأنه البرق- يقرع باب كل غرفة ويفتحه على مصرعيه، وكذا ظلَّ حتى أرشده الفؤاد الولهان إلى حجرة علا فيها صوت البكاء والصراخ، وصل أخيراً إلى هدفه وبابتسامة ساكنة ارتسمت على ثغره، سأل القيّم على المكان "أين أجد الطفل علي؟". فأجاب المسؤول: "إنه في السرير رقم 33". ثمّ أتبع بالقول: "هنيئاً لك على هذا الطفل، ما أحسن وجهه". عندها همَّ أحمد بالبحث عن السرير، وإذ به يجده، حمل الطفل وأخذ يقبله، يضمه، ويداعبه حتى وصل إلى الغرفة حيث كنّا بالإنتظار، أذّن في أذنه اليمنى وما كاد يتمّ الإقامة باليسرى، حتى شرع هاتفه الخلوي بالرنين،  من بوسعه الإتصال الآن؟ امتعض الجميع من الإتصال  فقد كان له وقع غريب، ما عدا أحمد – المقاوم الذي ألف ساحات الوغى وملاحم النزال – لم ينزعج ، فكان يجيب بكل انفعال وحماس، وقد خرجت الكلمات من حلقه مختلطة بالحلاوة  التي بدت سائلةً على شفتيه. وكيف لا وقد حظيَ للتو بفرصة للعمر ليجدد أساطير "أبي جواد" التي لطالما سطّرتها سهول البقاع الغربي، وجبل صافي، والريحان...

عدنا إلى المنزل ولكن لم نعد للإحتفال أو لتقبّل التّبريكات والتّهاني بل عدنا لتوضيب أغراض وحاجيات أبي الذي كان على موعد مع الجبهة التي طالما أحبّها وعزّ عليه فراقها. حتّى أمّي كانت تغبطها لكثرة محبّة والدي لها. أنهى ترتيب حاجياته، حملها واتجه إلى باب الدّار. لم يسعه النظر إلينا فقد إكتشف الحزن الدفين الغائر في صدورنا. والّذي تجلّى في عيني أختي الّتي ما برحت تذرف الدمع الغزير، وكأنها المزن الممتلئة بماء الأسى ودمع الفراق. وصل إلى عتبة المنزل، فنادته أمي: "هنيئاً للثورة كم تعشقها، أكان عليَّ أن أُدعى بحرب أو أسمي الأولاد غزوة أو معركة كي تبقى ولو قليلاً في هذه الخربة". فضحك ضحكةً مدوية و مضى.

 بعد ذهابه، سيطر جو من الكآبة على المنزل وبدا وكأنه كهفٌ مهجور. ونحن ألفنا الظلمة دون "جسر البيت"..

 ركب أبي الباص وانطلق في رحلة العشق، إلى المكان الذي يكون فيه قريباً من السماء وعلى مشارف باب الجنة المدعو بالجهاد، الجهاد الصّادق في سبيل الله، والتضحية الأصيلة في سبيل مبادئه ودفاعاً عن البلاد من كل أصناف الغزاة.

 وصل أحمد إلى الجبهة في جنوب لبنان، جنوب لبنان الصامد في وجه الصهاينة العتاة. تنشق هواءه العليل  فأحس بالسعادة مع كل نسيم يداعب أفنان الأشجار، ومع كل خطوة واثقة خطا في الأرض التي إتخذها خليلة في زمن المصائب والويلات في زمن الأساطير والبطولات.

إلتحق أحمد بعمله العسكري المقاوم وقد تملكته روح الفداء والتضحية كما كل المقاومين الذين كانوا على أهبة الإستعداد للدفاع عن الوطن، واجتمعوا.... وما أجمل اللقاء، كانوا بأجمعهم أصحاباً، أمست ساحات الوغى مرتعهم وملعبهم، كانوا مستبشرين سعداء؛ فبعد طول الإنتظار التمّ شملهم وقد عُقد بالتضحية والفداء والسير على نهج سيد الشهداء.

بلّغ أحمد رفاقه المجاهدين بتقدم العدو في جنوب لبنان، عندها انطلقوا معاً إلى مارون الراس، وهناك أخذوا مواقعهم بكل حذر  وكانوا كالجبال بشموخهم، كالليوث في ضراوتهم، وتحمّلوا أعتى المواقف ولكن ظلّوا يرصدون كل تحرك. بعد أيام من المراقبة وفي النقطة نفسها، سمع أحمد صوتاً صادراً عن الجهاز اللاسلكي ينادي:

"يا أبا جواد هل تسمعني؟"، فردّ أحمد: "نعم ،أسمعك أخبرني ماذا تريد".

-         القيادة كلّفتكم بمهمة جديدة، أبشر يا أبا جواد فمن الممكن أن تتصدّوا للصهانية.

-         بشّرك الله بالخير ما أحلى هذا الخبر، وإلى أين المضي إن شاء الله ؟.

-         إلى قلب النزال، بيّضوا وجوهنا يا أبا حواد، هنيئاً لكم.

وإنتهت المكالمة، ولم يكد يطلع الضوء حتى إنطلق أبو جواد والمجاهدون إلى المكان المنشود، تمركزوا في مختلف الأماكن وسيطرت عليهم البهجة ممزوجة بالحماس والشغف، شغف القتال والنار !شغف البطولة والعنفوان...وبالفعل رصدوا طليعة الجيش الإسرائيلي واستعدوا لهم؛ "أحمد" قبض على الزناد بكل حزم، تفجرت الثورة في كيانه ولم يطق مشهد المعتدين في أرضه، وأرض أجداده الأولين.

سيطر الصمت، ساد الهدوء ولكن قد اعتلى عرشه صوت مريب، إنه هدوء ما قبل العاصفة وقد تخلّله تحرك يبعث على الريبة وفجأة صرخ أحدهم "أنظروا!!أنظروا إليهم ها هم " وبدأت المعركة ولم يعد يسمع سوى أزيز الرصاص وزمجرة القذائف، وللأسف لم يعد عنصر المفاجأة من صالح المقاومين، قد ركزوا في موقع حرج جداً، استمر إطلاق النار واستمرت المقاومة ...كان نصر المقاومين معلقاً بخيط، وقد تدخل الدعم الجوي الذي طلبه جنود الأعداء بعد الذعر الذي دب في قلوبهم من جبروت المقاومين وبأسهم. استمرّ أحمد ورفاق دربه بالقتال حتى ألحقوا أقسى الضربات بالعدو ولكن...وصلت مقاتلات العدو ورجمت منطقة المعركة بالقذائف وكأنَّ الأرض شبّت لهباً، فلم يُر شيئاً ما خلا سعير النار والرماد والغبار ولا شيء آخر، حتى المقاومين!!...

نحن كنّا في القرية منتظرين آملين، آملين أن العمل الذي تركنا والدنا من أجله هو مجرّد عمل روتيني بسيط، شغلَه عن عائلته، أهله، وعياله. ولكن لم يكُ كذلك البتّة ، فقد علمنا من خلال الفضائيات أن المعركة تلك كانت مقدّمة للحرب الشهيرة، حرب تموز،عند معرفتنا دبَّ الرعب في قلوبنا على أبينا، على أنفسنا، وعلى من حولنا.

من فورنا هجرنا المنزل بعد الإيعاز لنا بذلك، وقصدنا بيت جدي، الذي كان أكثر أمناً. وصلنا، دخلنا حيث استقبلتنا الجدة برحابة صدر وهتفت:"أهلاً وسهلاً! ما هذه المفاجأة السارة؟ "ولكننا لم نرتم في أحضانها كالعادة ،فاستطردت بكل تعجب قائلة: "ما بكم؟ وكأنّ الألوان قد خطفت من وجوهكم، ما سبب شحوبكم؟" فردت أختي وبتعجب فاق إستغراب الجدة بدرجاتٍ هتفت: "ولكن ألم تشاهدوا الأخبار؟!!"

-         لماذا نشاهد الأخبار هل من خطب ما؟

-         لا ليس هناك من خطب إلا أن تشظي معركة في الجنوب ستشعل المنطقة بأسرها.

-         ماذا يا إلهي وأحمد أين أحمد ؟!

عندها سكت الجميع وبدت أمارات الحزن على وجوههم.

نزلنا إلى الطابق الأرضي و لم نكد نمضي الليلة الأولى حتى بدأت أصوات الطائرات تهدر في قلوب الفزعين، تملّكنا الخوف على أبي؛ فقد مضى دونما ذكر المقاصد، رحل وتركنا في جزع مرتاعين، لم نعرف حاله، إذا كان ظمآناً أو مرتوياً، حياً أو ميتاً.

 بعد عدة أيام اتصل بنا الجار علي، إنه جارنا القريب:

-         والله لقد رأيته، رأيته أنا متأكد

-         لا تكذب قل الحقيقة.

-         أقسم بالله العظيم، رأيته، وسلّمت عليه  و....

هذا كان آخر ما قاله الجار قبل أن ينقطع الإتصال بفعل إنهمار القذائف والتشويش على الأراضي اللبنانية.

مرّ أسبوع على مكالمة الجار، وأمي ما انفكت تشعر بالقلق وعدم الإطمئنان ، فقلت لها: "يا أماه لا تجزعي فالجار قد طمأننا ما دهاك، ما خطبك؟".

-         وما أدراك مرَّ أسبوع، وفي أسبوع تكوّن الكون بأمره.

-         أنت تغالين، دعكِ من هذا الكلام

وما كدنا ننهي المحادثة حتى قاطعنا صوت قتح الباب قد فتحه العم حسن، أراد الإطمئنان لحالنا فكيف يترك أولاد أخيه لوحدهم يعانون مطبّات الحياة وويلات الحروب . بين التخبط واللّوعة، تتجاذبنا الأفكار وتحطُّنا الأمواج. إستقبلنا العم بعبارات الإستقبال ،إحتفينا به فقد مرَّ وقتٌ مذ رأيناه آخر مرّة ،إتكأ على الأريكة، وزفر بصوت عال ,مسح على رؤوسنا، أأصبحنا أيتامًا؟  هكذا قلنا في أنفسنا ولكن الموضوع كان أكبر من ذلك بكثير، طلب منّي الإقتراب منه ،فعلت ذلك، فنطق أخيراً وقال:"دعني أشم ريح والدك، المغيب" ترفرفت أجفان أمي، غُسِّلت بالدموع. استدعى والدتي أخبرها بما ظنَّت واعتقدت، صبّرها، قال:"إنا لله وإنا إليه راجعون".

 بالطبع لم تخبرنا أمي، لم يطب لها أن ترى أولادها في حالٍ يرثى لها، في حزنٍ أو في نواح، بكت وحيدة، قنطت من الحياة ولكنها تعزّت بالحوراء، وتصبّرت حتى لا تثير الشكوك.

ولّت حرب تموز. انتظرنا وانتظرنا ولم يعد أبي ..  في الليل أتى المعزّون، لم نكن نعلم بأنهم كذلك، ولكن أمي على دراية، انتظرنا والدي، لكنهم وأمي انتظروا الجثمان، كان بعضهم نعساً يغلق عيناً ويفتح أخرى ينظرون إلى أيتام أبي جواد، يتحسّرون، يخبئون دموعا، والبعض الآخر منهمك لإكرام الميت.

كانت قدسية الشهادة تلف المكان، وعبق العز يملأ القرية الصامدة المحرومة، وكان هم الجميع كيفية نقل الخبر للأبناء الأيتام، حركة غير اعتيادية، نظرات متساءلة، كيف سينشأ هؤلاء الصغار؟ من سيعوضهم حنان الأب؟

لقد تجاسر عمي وكفكف دمعه وتقدم من المنتظرين، ليبوح بسر الوالد الغائب، لكن القدر تولى ذلك عنه؛ فقد توقفت سيارة امام المنزل وترجّل منها رجل صنديد، لا، ليس من المعزين، إنّه والدي ...لقد عاد...

 

 محمد جواد حمية

التاسع الأساسي

معلومات إضافية

  • مصدر الخبر: شمسطار
  • الكاتب: محمد جواد حمية
  • الشخصية الراعية: -
  • مكان النشاط: -
  • النوع: خبر
قراءة 12790 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

الرزنامة


حزيران 2020
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
31 1 ٠٩ 2 ١٠ 3 ١١ 4 ١٢ 5 ١٣ 6 ١٤
7 ١٥ 8 ١٦ 9 ١٧ 10 ١٨ 11 ١٩ 12 ٢٠ 13 ٢١
14 ٢٢ 15 ٢٣ 16 ٢٤ 17 ٢٥ 18 ٢٦ 19 ٢٧ 20 ٢٨
21 ٢٩ 22 ٠١ 23 ٠٢ 24 ٠٣ 25 ٠٤ 26 ٠٥ 27 ٠٦
28 ٠٧ 29 ٠٨ 30 ٠٩ 1 2 3 4
لا أحداث

مواقع صديقة

Image Caption

جمعية المبرات الخيرية

Image Caption

مؤسسة امل التربوية

Image Caption

مدارس الامداد الخيرية الاسلامية

Image Caption

المركز الاسلامي للتوجيه و التعليم العالي

Image Caption

وزارة التربية والتعليم العالي

Image Caption

جمعية التعليم الديني الاسلامي