جاري تحميل الصفحة
مدارس المهدي
الإثنين, 08 شباط/فبراير 2016 09:54

وانكسر القيد

كتبه 
قيم الموضوع
(1 تصويت)

لملم الليل خطوط الكحل من بين أهداب القرية الوادعة، وسحب بُرده القاتم، فارشا سكونا ازرق خاشعا، قبل ان ينسال شعاع التبر الخالص، وينثر عبقا قدسيا من قارورة عطر نادرة.

أفاقت المآذن، وباحت بسر اسرار الكون، فتوضّأ الياسمين الطاهر بطلّ الإله، وآنست الدروب بخطى المصلين، وقد حيوا على الفلاح، ركعوا وسجدوا وجددوا في صبيحتهم عهدا وعقدا وبيعة لا تزول. .. وكان الصباح.

مدت سيدة النهار شعاع الحياة، فسرى الدفء في نسغ الطبيعة، وسار قانون الوجود على سكة الايام.

توجه ابو حسين نحو حقول التبغ، وزهرة الى الجامعة في صيدا، وحسين في مكان ما من هذه الارض الطيبة. وسيدة الدار تماثل سيدة النهار في بث الحياة في أرجاء المنزل، أما الطفل عباس فكان في دنيا عامرة تفوق عوالم الآخرين فتنة وروعة، يزرع البيت حركة ونشاطا، يدخل ويخرج يدخل ويخرج، يقصد المرآب، صندوق المعدات، يعود. ..يعود شاهرا مسدسا خشبيا، تبتسم الأم له، وتعود لتكوير العجين بطريقة منتظمة.

لم تكن الأم لتشعر بالضجر وعباس يرافقها في كل ما تنجز...كل ما تنجز، حتى إعداد الخبز؛ وتحت الزيتونة الدهرية جلسا، كانت تمدّ كرات العجين برفق وتربّت على وجهها البضّ فتستحيل بدورا بيضاء، وعلى وقع كفيها على العجين، كانت اسئلة عباس تتقاطر وتطال كل شيء.

- لمن كل هذه الأرغفة يا امي؟

- إنها للنسور، سنضع قسما منها على الحائط الحجري لتأتي وتأخذه فيما بعد؛ النسور لا تنزل الى الأرض دوما؛ إنها تحلق في الأعالي. ..فوق الدنيا.

- آه ليتني نسرا!

ابتسمت الأم ابتسامة مطمئنة، وقرأت في عيني طفلها شوقا حقيقيا للحرية والانطلاق.

أخمدت أمّ حسين نار الموقد، وتوجهت نحو الحقول بحزمة من الأرغفة الشقراء الساخنة، مشيا وقد رافقتهما رائحة التراب الندي  تعبق في الحقول، وهناك اقتعدوا الأرض الكريمة المعطاء، وأكلوا من خيراتها وكان طنين حسين من حولهما لا يهدأ؛ يطلق  زخات من الطلقات باتجاه التلة، طلقات متوالية تخفت مع تهالك أنفاسه الصغيرة لتعود أقوى مما كانت.

عاد الفلاحون الى منازلهم، وعادت الشمس إلى خبائها، وحرس سماء الخيام هلال فضي، وهزت نجماتها مهود الأطفال فناموا قريري الأعين؛ سكون لم يدم طويلا؛ فقد مزقت هدأة الليل طلقات متوالية، مصادر النيران متعددة، تخمد وتنشط من جديد، الطائرات تجوب السماء وتحول الليل الى نهار بما تلقيه من قنابل مضيئة، وتبعث الرعب في نفوس الآمنين بغاراتها الوهمية.

ارتفعت الأكف الخاشعة، وابتهلت الحناجر، وتوجهت المآقي الى الله الواحد، وفي القلب رجاء بسلامة المقاومين ومن بينهم حسين. هدأت النيران ولم يهدأ بال أم حسين؛ كانت تتضرع إلى الله وتطلب العون  ليسلم الجميع كما في كل مرة.

ارتحلت جحافل الليل متثاقلة، ليحل الصباح حاملا معه واقعا جديدا مريرا، وليعلم الجميع أن حسينا وقع في الأسر.

كان وقع الخبر عظيما على الجميع فكيف لنسر محلق في الأعالي ان يُقيد؟ وأيّ أصفاد تكبّل روحا حرة؟ وأي سلاسل تحبس الإرادة والعزم؟

غمر الأسى قلب الأم؛ وهي العالمة بأحوال الأسرى وممارسات الغاصب، وخيم على دارها وجوم حائر، وضاعت نظراتها في الأفق، لعل نسيم الوطن يحمل عطره ويبعد فكرة التعذيب، لكن هيهات...

كانت الشتائم والإهانات المرحلة الاولى من مراحل التعذيب، فكان المحقق يكيل السباب لحسين وينال من نهجه المقاوم، لكن الفتى كان صلبا جدا؛ فلم يطاطئ رأسه، ولم يبدِ ضعفا، ما أثار المحقق، فامعن فيه ضربا ولكما وركلا، ورمى به في زنزانة صغيرة ضيقة جدرانها السوداء تزيدها ضيقا ووحشة.

توالت أيام وليال ذاق حسين خلالها كل الوان التعذيب، ولمس وحشية الغاصب المحتل وبربرية افعاله؛ ما زاده تمسكا بنهج المقاومة والحفاظ على الأرض وإن كانت الايام تمر رتيبة واهنة، والاحلام حبيسة زنزانة قاتمة، والقاضي مجرم، والسجين صاحب قضية حقة، والجرم هو الدفاع عن الوطن، اجل الوطن.  .. الوطن يستحق ثلاثا من سني العزلة والقهر والتعذيب، وأهل الوطن جديرون بحياة كريمة؛ لذلك لم يهن حسين، ولم يضعف. عزيمته تلك كانت تشعل صمودا في قلوب الأسرى، حديثه سلوى في الليالي الحالكة، وصلاته مواساة في الأسحار، وكلما حاول الضعف غزو القلوب، استحضر الإمام السجاد علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام، فيشرق الأمل ويورق الرجاء ليزهر أماني خضراء.

ذات يوم ركل احد الغاصبين باب السجن بشدة وصاح بأعلى صوته: حسين الى الانفرادي!

بات حسين يشكل خطرا بتأليبه الاسرى وتشجيعهم على الصمود والصبر ونصرة المقاومين في الخارج؛ إنه يحدث تغييرا خطيرا، يؤم المصلين، يواسيهم، يتلو الاذكار ويرددون، يحث أخوته على الصبر والثبات، يداوي جراحاتهم، يضمد آثار التعذيب ويستحضر بطولاته في سوح القتال فيشحذ الهمم وتمتلأ الأوداج عزمًا.

وبعزلة حسين عن رفاقه قلت مخالفاته وكانت المكافأة: الشمس.

إنها السماء اللازوردية سماء الوطن الرحبة؛ اشتاق الى سماء الوطن وإن كانت ستبدو مربعات صغيرة بفعل الحاجز الحديدي؛ بصيص الأمل في عينيه يلغي كل الحواجز، ويرسم ابتسامة مطمئنة واثقة، يبتسم لندف الغمام الابيض، للنسور تحلق في الأعالي، لأريج الزعتر البري في حقول الخيام وعندما استذكر الحقول، استحضر الأهل فإذا بصورهم تتراءى له على صفحة الغيم. .هذا أبو حسين بشاربيه الأبيين، وتجاعيده الصامدة، هذه زهرة، وهذا عباس، وهذه الأم الرؤوم، بعينيها الدامعتين بعباءة بيضاء، ووشاح من نور، وها هو يسمع دعاءها وابتهالاتها، أغمض عينيه واجتاحه الاشتياق لضمة من الذراعين الرحيمين...وتحررت دمعة حرى من بين أهدابه المتشابكة لتخط رسالة بحبر النجيع. .أمي الحبيبة. ..لجبينك الوضاء أنسج عسجد الشمس تاجا للعز. ..لهامتك المرفوعة أطرّز زرقة السماء وشاحا للفخر. ..للأنامل المتعبة أجعل الشوك بلسما. ..وما الأصفاد وما السلاسل. ..في سبيل عينيك يا أمي...

نامت عيون الشمس التي أشعلت الحنين، ولم تنم عين حسين، الألم باد على محياه، وهواجس تنكيل الاعداء بأسرته تراوده دوما، كان ليله سهدا وأرقا وهواجس، وإن لامست الاغفاءة أهدابه، طردها كابوس الاحتلال ووحشية زبانيته، فيشعل نار القلق في قلبه، ويستحضر كل أفراد أسرته ويجعلهم تحت مرمى العدو، فينكل بهم ويخضعهم ؛ يراهم راكعين، أيديهم خلف ظهورهم. .. و... يفتح عينيه طاردا اشباح الذل، لاجئا الى من لازمه دوما، وكان خير ناصر وخير معين، تناول وريقات صفراء مهترئة وتوجه الى الله."..أتيتك أرجو عظيم عفوك الذي عفوت به عن الخاطئين. ..فيا من رحمته واسعة وعفوه عظيم. ..هب لي يا إلهي فرجا بالقدرة التي تحيي بها ميت البلاد ولا تهلكني غما حتى تستجيب لي وتعرفني الإجابة في دعائي وأذقني طعم العافية الى منتهى اجلي ولا تشمت بي عدوّي ولا تسلطه علي ولا تمكنه من عنقي اللهم إني اعوذ بك فأعذني واستجير بك فأجرني واسترزقك فارزقني واتوكل عليك فاكفني واستنصرك على عدوي فانصرني واستعين..."

كان صوته ممزوجا بنشيجه، والدموع تغسل وجهه وتحط على الكلمات، تسارعت نبضات قلبه وعلا زفيره، وأحس أن جدران زنزانته تضيق أكثر فأكثر، وتزداد حلوكًا موحشًا، رافقه حتى ساعات الصباح، عندما تسلل خيط النور من رحم الليل.

كان صباحًا غريبًا، سمع حسين جلبة في الخارج، وآليات العدو تتحرك بعنف، أصوات وصخب. أيجهز العدو علينا؟ أيضيف إلى سجله الإجرامي مجزرة جديدة؟ تتعالى الأصوات، ويرتفع الصياح، وتقترب الخطوات من باب الزنزانة. أهي النهاية؟ أأكون شهيدا في زنزانة؟ أتوق الى الشهادة، لكن ليس في هذا المكان...يسمع ضربا متواترا متواصلا على باب زنزانته، يقف الى الحائط ويتهيّأ لاستقبال مصيره. .. لكن مهلا. ..ماذا يسمع؟ من بين الصخب والضجيج تناهى الى مسمعه نداء " الله اكبر"، فأزهر الأمل في عينيه، ومع " الله أكبر" انكسر القيد وانطلق النسر محلّقا.

في الخارج عرس للحرية، يزفّه نوار بأزاهيره، فتزغرد المآذن مهللة بنداء الحق الأزلي، وتصفّق الكنائس ناثرة صدى المحبة،  ويمضي القرويون في الدروب المعشوشبة. .. يحنّون  أكفهم بثرى النصر...  فهم قوم لا يتركون أسراهم. ..

سجى صبحي الحاج حسن

التاسع الأساسي فرنسي

2012-2013

 

معلومات إضافية

  • مصدر الخبر: شمسطار
  • الكاتب: سجى صبحي الحاج حسن
  • الشخصية الراعية: -
  • مكان النشاط: -
  • النوع: خبر
قراءة 12713 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

الرزنامة


حزيران 2020
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
31 1 ٠٩ 2 ١٠ 3 ١١ 4 ١٢ 5 ١٣ 6 ١٤
7 ١٥ 8 ١٦ 9 ١٧ 10 ١٨ 11 ١٩ 12 ٢٠ 13 ٢١
14 ٢٢ 15 ٢٣ 16 ٢٤ 17 ٢٥ 18 ٢٦ 19 ٢٧ 20 ٢٨
21 ٢٩ 22 ٠١ 23 ٠٢ 24 ٠٣ 25 ٠٤ 26 ٠٥ 27 ٠٦
28 ٠٧ 29 ٠٨ 30 ٠٩ 1 2 3 4
لا أحداث

مواقع صديقة

Image Caption

جمعية المبرات الخيرية

Image Caption

مؤسسة امل التربوية

Image Caption

مدارس الامداد الخيرية الاسلامية

Image Caption

المركز الاسلامي للتوجيه و التعليم العالي

Image Caption

وزارة التربية والتعليم العالي

Image Caption

جمعية التعليم الديني الاسلامي