جاري تحميل الصفحة
مدارس المهدي
الادارة

الادارة

ادارة موقع مدارس المهدي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الأربعاء, 19 حزيران/يونيو 2013 15:54

المدرسة وتحديات العصر

"المدرسة" وتحدّيات العصر الحاضر

من المؤكد أنّ المدرسة إحدى مؤسّسات المجتمع المهمّة والأساسيّة، التي تتولّى مسؤوليّة تشكيل ثقافة الأجيال الصاعدة، وإيجاد التواصل الفكريّ بين أبناء البشريّة طوليًّا وعرضيًّا، أي من جيلٍ إلى جيل، ومن قَرنٍ إلى قرن، على مدى الزمن، ومن أمّة إلى أمّة، ومن مجتمع إلى مجتمع، في العصر الواحد.

 

ولا نقصد بالثقافة هنا، العادات والتقاليد والرؤى الفكريّة فحسب، وإنّما نقصد كلّ ما يشكّل قاعدة ومنطلقاً لتحديد المسار العمليّ للجيل، فتدخل فيها القيم والمبادئ والعقائد، والمسلّمات والقدرات والاهتمامات، والتراث الفنّيّ والإبداعيّ وكلّ ما له مدخليّة بصياغة شخصيّة المجتمع، ورسم معالمه، وتحديد ما يمتاز به عن المجتمعات الأخرى.

وإذا كانت"المدرسة" في القرون الماضية مؤسّسة صغيرة في أغلب الأحيان، يديرها فردٌ واحد، ويطبعها بطابعه الخاصّ، ويصبّ ما يمتلكه من ثروة علميّة أو أخلاقيّة، أو فنّ يبرع فيه، أو مجال من مجالات الاهتمام، فإنّ المدرسة المعاصرة باتت مؤسّسة أكثر تنظيماً، وأكثر تأثيراً في تحقيق هذا الهدف السامي والخطير في آنٍ معاً.

إلاّ أنّ المدرسة "كمؤسّسة تربويّة" في العصر الحاضر، تواجه عدّة تحدّيات، من أهمّها:

أولاً: الاهتمام بالتراكم الكمّيّ على حساب الناتج النوعيّ، حيث إنّ توسّع العلوم العصريّة، وسيطرة هاجس الثورة الصناعيّة على عقول وأذهان القيّمين والمخطّطين وذوي القرار، دفعهم إلى إيلاء العلوم التجريبيّة ذات الصلة بالمادّة والصّناعة، أكبر الاهتمام، على حساب العلوم والمعارف العقليّة والفلسفيّة والاجتماعيّة والأدبيّة والكلاميّة.

ثانياً: غلب على المدرسة الحديثة الاهتمام بالمكتسبات المعرفيّة على حساب القدرات، وعلى حساب الجوانب التي تشكّل شخصيّة الإنسان، الذي سيسخّر المكتسبات العلميّة، فأُهملت القيم الإنسانيّة الأصلية، وعواملُ تشكّل شخصيّة الإنسان السويّ، المستقلّ، الواثق بنفسه، والقادر على الإبداع والفهم الدقيق لأسرار الوجود، وبالتالي القدرة على صياغة مسارات الحياة بما يتوافق مع المبدأ والمعاد وفي سياقهما.

ثالثاً: من التحدّيات التي واجهتها المدرسة في كثير من الأحيان اعتماد الناس عليها كجهة وحيدة مسؤولة عن إحداث التغيير المنشود في أبناء الجيل الصاعد، رغم أنّها وبالظروف القائمة والإمكانات المتاحة، لا تستطيع أن تكون أكثر من شريك يساهم في تحمّل هذه المسؤوليّة إلى جانب الأسرة ومواقع التأثير الأخرى في المجتمع بدرجات متفاوتة.

وكلّما زادت العمليّة التربويّة تعقيداً.. وكلّما زادت المخاطر الثقافيّة والأخلاقيّة المحدقة بالجيل.. ازدادت الحاجة لتضافر الجهود، وتكامل الأدوار، من أجل حماية أبنائنا وتوفير بيئة تربويّة واجتماعيّة وأسريّة سليمة، تساعده على تجاوز كلّ المخاطر والتحدّيات حتى الوصول إلى مرحلة النضج.

 

 

 

الأربعاء, 19 حزيران/يونيو 2013 15:53

انتبه!

انتبه!

- إنّ الذي يمدحك بما ليس فيك وهو راض عنك.. سيذمّك بما ليس فيك عندما يسخط عليك..
حاولَ أحد الموظفين إيهام مَن حوله بأنّه شخص مهمّ.. فلمّا طرق رجل عليه الباب سارع الموظف إلى حمل سمّاعة الهاتف متظاهرًا بأنّه يكلّم شخصًا مهمذًا..ولمّا دخل الرجل قال له الموظّف:"تفضّل اجلس، ولكن انتظرني لحظة فأنا أحاول حلّ بعض المشاكل.." وبدأ يتظاهر بأنّه يتكلّم بالهاتف لمدّة دقائق.. ثمّ أغلق السمّاعة وقال للرجل: تفضّل ما هو سبب زيارتك؟
فقال الرجل: "جئت لإصلاح الهاتف يا أستاذ"!!
فلْنقبلْ أنفسنا كما نحن.. فإنّ الناس تكره المتصنـّع..
- أحسّ رجل بأنّ عاملاً فقيرًا يمشي خلفه.. فقال الرّجل في نفسه: " إنّ هؤلاء الشحاذين دائمًا يلاحقوننا ليطلبوا مزيدًا من المال..!"
فقال العامل الفقير للرجل: عفوًا يا سيّدي..محفظتك سقطت منك..
"
فلْنحسنْ الظنّ بالآخرين"
نحن نعلم أنّ للطاولة أرجلاً ولكنّنا نتقبّل أنّها لا تسير..
ونحن نعلم أنّ للقلم ريشة ولكنّنا نتفهّم أنّه لا يطير..
ونحن نعلم أنّ للساعة عقارب ولكنّنا متأكّدون من أنّها لا تلسع..
ونحن نعلم أنّ للباب يدًا ولكنّنا لا نريد منه أن يصافحنا..
ونحن نعلم أنّ كثيرًا ممّن حولنا لهم قلوبٌ ولكنّهم لا يشعرون بنا.. فلْنتقبّلْ ذلك.. فأهمّ شيء أنّ الله معنا..

 

الأربعاء, 19 حزيران/يونيو 2013 15:50

كيف نقي الطفل من الإصابة بالإتكالية؟

كيف نقي الطفل من الإصابة بالإتكالية؟

الحكمة المأثورة "درهم وقاية خير من قنطار علاج" تنطبق على الصحة النفسية، كما على الصحة الجسدية، والصحة النفسية لم تعد تتناول صحة العقل والتفكير فحسب، كما كان الأمر في الماضي، وإنما الصحة العاطفية والإجتماعية والروحية أيضاً، لما لها من تأثير، على سلوك المرء تجاه نفسه وتجاه مجتمعه وتجاه خالقه، يجعله سوياً مقبولاً، أو غير سوي وغير مقبول.‏

في هذه العجالة، نتناول "الاتكالية" بوصفها واحداً من السلوكات غير السوية، بوحي من الحكمة السابقة الذكر، أي بهدف وقاية الناشئ من الإصابة بها.‏

أعراض الاتكالية:‏

أهم السلوكات الملموسة التي تشير إلى الإصابة بهذا المرض هي التالية:‏

1- طلب المساعدة باستمرار، حتى في الأعمال التي لا يعوق الناشئين عائق عن إنجازها بأنفسهم، كالعناية بنظافتهم ولباسهم وطعامهم وترتيب غرفهم وكتبهم ودرس دروسهم وكتابة فروضهم أو الذهاب إلى الدكان لشراء بعض حاجياتهم، وغيرها من الأعمال أو المهمات التي يفترض بالناشيء أن يقوم بها بنفسه بعد نضوج استعداداته وتمرينها بما يكفي لتحقيق المهارات الضرورية لإنجازها.‏

2- طلب المشورة باستمرار حتى في الخيارات التي لا يعوقهم عائق عن تقريرها بأنفسهم كاختيار نوع الطعام أو اللباس أو اللعب، أو الدمية، أو مكان الدرس، أو توقيته، أو الأشخاص المفضلين للخروج معهم بنزهة وغيرها من الخيارات التي يفترض بالناشيء أن يصبح قادراً على تقريرها بنفسه، تبعاً لنضوج استعداداته للمقارنة بينها والمفاضلة والاختيار.‏

3- ضعف المبادرة والثقة بالنفس والعجز عن ممارسة الاستقلال، إذ يلاحظ أن من تبرز لديهم السلوكات الملموسة المشار إليها لا يلجأون إلا نادراً إلى محاولة إنجاز عمل أو تقرير خيار بأنفسهم، وهم دائماً محتاجون لا إلى من يساعدهم فحسب، وإنما إلى من ينبههم ويدفعهم إلى ذلك دفعاً، وهذا ما يشير إلى ضعف المبادرة، إن لم يكن إلى انعدامها. حتى بعد أن ينبه ويدفع إلى العمل أو الاختيار، نلاحظ لديه الارتباك والاضطراب والتردد والخوف، مما يشير إلى ضعف ثقته بنفسه أو بقدراته وإلى عجزه عن ممارسة استقلاليته.‏

4- الاعتماد على الآخرين في إشباع رغباته، إذ من الطبيعي لناشيء تعوّد على ما تقدّم أن يكون عاجزاً عن إشباع رغباته إلا بالاعتماد على الآخرين في ذلك.‏

5- اللجوء إلى وسائل طفولية، كالصراخ والبكاء والإضراب عن الطعام والتهديد بإيذاء نفسه للضغط على الآخرين كي يساعدوه في أعماله أو خياراته أو تلبية رغباته.‏

عرضنا لهذه الأعراض بصورتها النموذجية، لكنها، ككل ما هو نموذجي، تتفاوت من ناشيء إلى آخر في مدى حدتها، وبالتالي في مدى وضوحها.‏

الأسباب والوقاية:‏

إن أسباب ظهور هذه الأعراض تعود، في مجملها التي التربية التي يمارسها الأهل، في أوضاع خاصة (ولد وحيد، أو جاء بعد طول انتظار، أو صبي وحيد بين بنات، أو بنت وحيدة بين صبيان، أو يعاني من مرض أو إعاقة، أو غياب قسري عن الولد يشعر الأهل بالتقصير ويدفعهم إلى التعويض..) تؤدي إلى الخوف المبالغ به أو العطف الزائد على الطفل أو المبالغة بإشعاره بأهميته ومكانته، أو الشعور بالتقصير تجاهه من قبل الأهل أو من يقوم مقامهم، ما قد ينتج ممارسات تربوية تنتهي إلى توليد الأعراض المشار إليها:‏

فالخوف المبالغ به يجعل الأهل أو من يقوم مقامهم يمنعون الطفل من ممارسة أنشطة حسية- حركية، يتولد لديه الميل لممارستها، تبعاً لنمو استعداداته العصبية العضلية من دون مساعدتهم (المشي، الركض، الاستدارة، القفز، الحجل، ركوب الدراجة، اللعب مع آخرين..)، وذلك خوفاً من أي أذى يلحق به، ما يحرمه من اكتشاف قدراته ومحاولة تطويرها، وصولاً إلى تشكيل مهارات حسية- حركية تعطيه الثقة بنفسه.‏

والتدخل لمساعدته بصورة دائمة حتى بعد تأمين شروط السلامة والأمن، تحرمه من المحاولة المستقلة واكتشاف الخطأ والعمل على تجاوزه بنفسه، ما يضعف قدرته على الاستقلال.‏

والوقاية من كل ذلك تكون بترك الولد يمارس هذه الأنشطة بحرية واستقلالية ومن دون مساعدة إلا في الحدود الضرورية لتدريبه وتأمينه من الخطر.‏

كما تكون بتقديم الدعم له، أي بامتداح أي نجاح يحققه، وتقبل أي فشل يتعرض له، وتشجيعه على متابعة المحاولة وعدم مقارنته بغيره ممن ينجحون حيث فشل.‏

والعطف الزائد يدفع الأهل أو من يقوم مقامهم إلى إنجاز أعمال للطفل حتى عندما تبرز لديه الرغبة بمحاولة إنجازها بنفسه من مثل النظافة واللباس والطعام وترتيب السرير والكتب والألعاب... كما تدفعهم إلى اختيار ما يرونه ملائماً له أو مفيداً وعدم تركه يفاضل بنفسه ويختار تعويداً له على اتخاذ القرار... وإذا كان لابد من مساعدة فيجب أن تنحصر بالتشجيع والتعليم فحسب.‏

والوقاية تكون بدفعه إلى إنجاز هذه الأعمال بنفسه، وتشجيعه عليها ومساعدته على كيفية القيام بها (تدريبه) والإصرار على عدم القيام بها نيابة عنه إلا عندما يوجد ما يعوقه عن ذلك كالمرض مثلاً.‏

والمبالغة بإشعارالطفل بأهميته قد تجعله يستثمر موقعه هذا لفرض ما يريده على الأهل بشتى وسائل الضغط، بما فيها الوسائل المعتمدة في الطفولة المبكرة، كالبكاء والصراخ، والتظاهر بالمرض. والمبالغة بإشباع رغباته، تعويضاً عن شعور بالتقصير تجاهه قد تجعله عاجزاً عن تأجيل إشباع رغبة أو استبدالها بأخرى.‏

والوقاية تكون بالتجاوب مع طلبات الطفل، حتى لو بدت غير منطقية، فلا تقابل بالرفض السريع والحاسم أو التسويف والإهمال، بل تقابل بإظهار الاهتمام وتقديم أسباب مقنعة للرفض أو التأجيل واقتراح بدائل وإظهار أفضليتها، وبعد ذلك ممارسة الحزم، أي عدم الاستجابة لضغوط الطفل.. كما تكون بتعويد الطفل على تأجيل إشباع رغبة أو استبدالها بإشباع رغبة أخرى أفضل منها، وتوسل حاجته أو رغبته، لإرضاء أهله في مساعدته على النجاح في ذلك، لأن الرغبة في محبة الأهل وإرضائهم ذات فاعلية كبيرة بالنسبة للطفل في هذا المجال.‏

مهما كانت الأوضاع التي تجعل الأهل أو من يقوم مقامهم يشعرون بالخوف أو العطف أو التقصير تجاه الطفل، فعليهم أن لا يبالغوا في هذا الخوف أو العطف أو الشعور بالتقصير، فيحولوه إلى محبة خانقة تعرض ولدهم للإصابة بأعراض الاتكالية التي أشرنا إليها، لأنها تؤدي إلى قتل الشخصية وخنق قدرتها على التعاطي مع مهمات حياتها بثقة واستقلالية ومبادرة خلاقة.‏

إن الحب المحكوم بالحكمة والاعتدال، والمستنير بمعرفة الطفل واستعداداته المختلفة وما يساعد على إنمائها هو الحب المطلوب عموماً، وفي تربية الطفل بصورة خاصة، وفي تربيته على الاعتماد على نفسه بصورة أخص.‏

والله المسدد للصواب‏

 

 

 

الأربعاء, 19 حزيران/يونيو 2013 15:44

العَمَل الفَريقي

العَمَل الفَريقي

العمل الفريقي التعاوني هو شكل من أشكال التعليم– التعلّم المدرسي، يقسَم فيه التلاميذ مجموعـات يتعاون أفرادها على تنفيذ نشاط محدّد. يعتبر تفاوت معلومات

التلاميذ وقدراتهم من المسلّـمات التي يقف أمامها المعلّم حائراً عندما يقوم بعملية التعليم – التعلم. فهل يأخذ بعين الاعـتبار قدرات التلاميذ الأقوياء، أم الضعفاء، أم يعتمد على متوسط معلوماتهم المكتسبة ؟‏

إن اللجوء إلى العمل الفريقي يسمح بتكامل قدرات التلاميذ وتضافر جهودهم وصولاً إلى إنجاز النشاط المطلوب.‏

1- أهميته :‏

قال ابن سينا في معرض كلامه عن التعليم أن الولد يتعلم بشكل أفضل عن الولد، لكون الأولاد يتكلمون لغة واحدة و لأن " الصبي عن الصبي ألقن، وهو عنه آخذ وبه آنس" (1) .‏

عندما يشرح المعلم للتلاميذ مسألةً ما، وحين لا تصل الفكرة إلى بعض التلاميذ الضعفاء، تبيَن أنه من أنجح وسائل إيصال الفكرة إليهم هي أن يقوم زملاؤهم الأقوياء بشرحها لهم. فالولدُ المساعِد يشعر بأنه قادر على العطاء والقيام بدور المعلم بنجاح، وهذا ما يزيد ثقته بنفسه ويرسخ الأفكار المشروحة في ذهنه. أما التلميذ المساعَد فيشعر بالاطمئنان لأنه غير متروك لوحده ولأن اعتماد التعاون في المدرسة يعطيها جَوَّ الأسرة الواحدة.‏

إن التعليم – التعلّم يسعى إلى تنمية شخصية المتعلم بجميع أبعادها إضافة إلى إعداده للحياة الاجتماعية. وهنا تأتي أهمية العمل الفريقي في تنمية الروح الاجتماعية عند المتعلم، إضافة إلى أنه يتيح تفتُّح الفرديات المختلفة ويخفف في الوقت نفسه، من حدة التنافس وروح الفردية الأنانية. إن الفائدة الاجتماعية للعمل الفريقي تتخطى في أهميتها التربوية الوصول إلى الإجابات المطلوبة من النشاط.‏

2- أشكاله :‏

يأخذ العمل الفريقي أشكالاً عدة حسب الهدف الموضوع له أو شكله:‏

- إنجاز مشروع: مجلة حائط، تحضير رحلة، إنجاز مجسم، تلخيص كتاب...‏

- ورشة عمل WORKSHOP (عمل فردي وجماعي في وقت واحد): نقاش موضوع ما، إيجاد حل لمشكلة ما، تقديم اقتراحات حول أمر معيَن...‏

- حل تمارين تطبيقية أو الرد على أسئلة محددة (عمل فردي ثم جماعي) .

- ………

____________________________________________________________

(1) : التربية عبر التاريخ. تأليف د. عبد الله عبد الدايم. صفحة 258 طبعة 1987‏

3- متى يُنفّذ :‏

ينظم المعلّم العمل الفريقي من وقت إلى آخر ، حين تسمح له الظروف. يمكن للعمل الفريقي أن يكون تمهيداً لموضوع ما أو تطبيقات مكملة له. ويكون أيضاً في الصف أول الحصة أو آخرها أو خلالها كلها أو حتى بعد الدوام (حث التلاميذ على التزاور والالتقاء خارج إطار المدرسة، في البيوت أو الطبيعة أو المكتبات).‏

4- شروطه:‏

يحتاج العمل الفريقي إلى تنظيم دقيق حتى تتأمن له شروط النجاح، مثل: حسن توزيع الوقت المخصص لها وتشكيل المجموعات بشكل مناسب إضافة إلى السهر على حسن سير العمل والحوار:‏

أ- الوقت المخصص: ويتغير حسب الأهداف ولا يتجاوز الساعتين في العمل الفريقي داخل الصف. يوزع الوقت على الإجابات الفردية والنقاش الجماعي واستنتاج الخلاصات وتحريرها.‏

ب- تشكيل المجموعات: يؤلف المعلم المجموعات بطرق عدة:‏

- يقوم بالتوزيع مراعياً شروط ومواصفات منها: مستوى التلاميذ، جنسهم، سكنهم، طبائعهم...‏

- يترك أمر تشكيل المجموعات للتلاميذ. (كأن يحدد مواضيع العمل ويطلب إلى التلاميذ الانضمام إلى المجموعة التي يرغبونها).‏

- يشكّل المجموعة من تلامذة الصف الواحد أو من صفوف عدة.‏

- يراعي التنوع والحركة في تشكيل المجموعات.‏

ج- عمل المجموعة : تتكون كل مجموعة من 4 – 6 أشخاص، تختار كل مجموعة من بينها رئيساً أو منظماً (أو يعينه المعلم). ينظم رئيس المجموعة المداخلات ويحرص على مشاركة الجميع بشكل متكافئ، ويوجه الحوار والعمل في اتجاه تحقيق الأهداف والالتزام بالوقت المحدد.‏

يعيّن أو يختار في المجموعة، إذا دعت الحاجة مقرر يسجل نتائج عمل المجموعة وخلاصات أفكارها خاصة عندما يكون النشاط نقاشاً أو إبداء رأي حول موضوع محدّد.‏

يقوم المعلم بدور المنظم والمقرر العام أو ينتدب لهذه المهمات تلاميذ ليدربهم على هذه المهمات الدقيقة.‏

5- المعطيات المادية وحسن سير العمل:‏

يجب، من أجل حسن سير العمل الفريقي، الالتفات إلى بعض المعطيات المادية لما لها من آثار هامة على سلوك المشاركين مثل:‏

- تأمين الهدوء وإبعاد مصادر التشويش الخارجي (الضجة ودخول أو مرور أشخاص غرباء، قرب المجموعات من بعضها البعض .…) .‏

- تأمين بعض الرفاهية (مقاعد مريحة، إنارة كافية … ) .‏

- اعتماد شكل جلوس مناسب يؤمن التواصل ويؤمن للمشاركين رؤية وسماع بعضهم البعض. وحدها الطاولة المستديرة أو البيضاوية تؤمّن أفضل الشروط لإنجاح العمل الفريقي.‏

- تأمين المطبوعات والنصوص التي تعتمد في العمل الفريقي.‏

6- بعض الظواهر الأساسية في دينامّية الجماعة:‏

تظهر خلال العمل الفريقي على مستوى الفردي سلوكيات منها :‏

- إيجابية تسعى إلى خلق الانسجام داخل المجموعة وإتمام المهمة المحددة.‏

- سلبية، يعبر عنها بالانتقاد والعدوانية أو السكوت.‏

- قيادية يعبر عنها بالميل إلى لعب دور الزعيم المتسلط أو المناور.‏

- تبعية وتمتاز بالبحث عن رضى الآخرين.‏

يضاف إليها : محاولة الظهور وإثبات الوجود، التحدث عن الحياة الخاصة، عرض الآراء الشخصية على حساب أهداف العمل...‏

من المهم أن يكتشف المعلم هذه السلوكيات، وأن يجعلها تسير مع أهداف المجموعة دون كبت شخصية المشترك ودون التأثير على العمل الفريقي بشكل سلبي.‏

7- سلبيات محتملة للعمل الفريقي:‏

من سلبيات العمل الفريقي المحتملة:‏

أ- استغلاله من قبل بعض التلاميذ حتى لا يقوموا بأي جهد. فالأقوياء في المجموعة، أو الذين لديهم الرغبة في العمل منهم، يقومون وحدهم بالنشاط، أو يستأثرون به على حساب الضعفاء. إن حل هذه المشكلة، إن وجدت، ليس بالأمر السهل، قد يحد تدخل المعلم في تشكيل المجموعات والإشراف على عملها، من هذه السلبية المحتملة.‏

ب- قد يتسبب العمل الفريقي ببعض الفوضى والإرباك في الصف، ولكن هذا الاحتمال يخفف تدريجياً مع التدريب ومرور الوقت. إن تعوّد التلاميذ على العمل الفريقي من خلال تطبيقه في مختلف المواد، يزيد من إنتاجيته وفائدته.‏

ج- قد يؤثر العمل الفريقي اللاصفّي سلبياً في سلوك بعض التلاميذ الجدّيين، إذا وُضع معهم في المجموعة آخرون من ذوي المشاكل السلوكية. لا يمكن تجنب هذا الاحتمال إلا بعدم السماح بالعمل الفريقي غير المراقب والموجه من قبل المدرسة وضمن إطارها.‏

 

 

الأربعاء, 19 حزيران/يونيو 2013 15:41

أهمّيّة دور المعلّم وإعداده

أهمّيّة دور المعلّم وإعداده

للمعلّم دور أساسيّ في بيئته ومجتمعه، باعتباره حاملاً لراية التربية والتعليم، كما يعتبر الركن الأساس والبارز في العمليّة التعليميّة. ولكي يستطيع المعلّم أن يقوم بالدور المناط به بشكل جيّد، لا بدّ من أن يتمتّع بكفاءة عالية وخبرة ومسؤوليّة.‏

فالإعداد الصحيح الذي يكسبه المعلّم، من شأنه أن يمكّنه من صقل شخصيّته ومن اكتساب المهارات والخبرات والاتّجاهات الأساسيّة التي يحتاجها في عمليّة نشر المعرفة والتعليم.‏

وبما أنّ المعلّم هو الركيزة الأساسيّة في تطوّر المجتمع واستمراره، وهو ناقل أساسيّ لثقافته، وممهّد لمستقبل الوطن، كان لا بدّ من اعتماد سياسة مدروسة وهادفة لقبول المعلّم في حقل التدريس، بحيث تتوافر فيه الصفات والخصائص المميّزة لشخصه سواء على مستوى القدرات الجسديّة أوالعقليّة والانفعاليّة والاجتماعيّة، التي تجعل منه شخصيّة مقبولة ومؤثّرة في واقعه وقادرة على التكيّف مع نفسه ومجتمعه.‏

والإعداد الصحيح لا يأخذ شكلاً روتينيًّا تقليديًّا، بل شكلاً متجدّداً ومتنوّعاً يجاري التطوّرات والتغيّرات الدائمة والمستمرّة، إضافة إلى الاحتياجات المختلفة للمعلّمين لناحية تطوير معارفهم وقدراتهم ومهاراتهم بما يتناسب مع التبدّلات والتطوّرات التي تدقّ باب النظام العالميّ على الدوام من جهة، ومن جهة ثانية بما يتلاءم مع المناهج والبرامج والطرائق والأساليب والأدوات والتقنيّات المرتبطة بعمليّة التدريس ونشر المعرفة.‏

بناءً على ما تقدّم فإنّ دور المعلّم لم يتقلّص مع مرور الزمن، بل على العكس تماماً. لذا أصبحت الحاجة إلى تأهيله وإعداده في الزمن الراهن من الثوابت البديهيّة. وممّا زاد من أهمية دور المعلّم في العمليّة التعليميّة هو ذلك التغيير الكبير الذي حدث في مفهوم عمليّة التعليم وفي موادّ العلم الحديث وتقنيّاته، وفي مسؤوليّات المعلّم على المستوى التربويّ، والثقافيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ؛ فعمليّة التعليم لم تعد كما كانت في الماضي، أي تلك الطريقة التقليديّة التلقينيّة التي تعتمد على التكرار والحفظ، بل أصبحت عمليّة معقّدة تتطلّب من المعلّم أن يتمتّع بمواصفات مميّزة يجب أن يمتلكها، ليتمكّن من الغوص في أعماق التلميذ والكشف عن مكنوناته وإبداعاته، لتطويرها وتوجيهها لتحقيق الأهداف المجتمعيّة وتغذية المجتمع بعناصر فاعلة قادرة على مواكبة التطوّرات والتبدّلات الحاصلة.‏

هذا يعني أنّ مهنة التعليم ليست مهنة عاديّة تتطلّب من المجتمع بعض الجهد والإعداد، بل التأهيل الدائم والمستمرّ قبل عمليّة التعليم وبعدها، ومتابعة أوضاع المعلّمين من النواحي المختلفة خصوصاً ما يتعلّق بالأمن الوظيفيّ والاستقرار النفسيّ، لما في ذلك من انعكاسات إيجابيّة على كشف الإبداعات والقدرات لدى المعلّمين، ممّا يؤدي بالتالي إلى تحقيق الأهداف المرجوّة من التعليم.‏

 

 

الأربعاء, 19 حزيران/يونيو 2013 15:38

السلطة في التربية: من الإلزام إلى الإلتزام

السلطة في التربية: من الإلزام إلى الإلتزام

 

مقدمة: يقول أوليفيه ريبول( ) (Olivier Reboul) مختصراً وظيفة التربية بالنسبة للإنسان: "لا يولد الإنسان إنساناً " فلا شيء من كل ما يؤلف الإنسانية، أي اللغة والفكر والمشاعر والفن وعلم الأخلاق، ولا شيء من كل ما سعت الحضارة آلاف السنين للحصول عليه، قد انتقل إلى جسم المولود الجديد، بل كان عليه أن يكتسبه بالتربية" ويضيف موضحاً "ففيما الحيوان هو ما هو عليه منذ ولادته، أو يكونه فيما بعد، بسرعة عن طريق نضجه، يتحتم على الولد الإنساني، أن يصبح ما عليه أن يكون كما يقول فينخته" (ficht) وهو لا يصبح ما عليه أن يكون إلا بالتربية.‏

إنّ هذا الواقع يفرض سلطة للراشد على الناشئ، ويجعل ممارستها واجباً عليه، وحقاً للناشئ. وهي سلطة تأخذ مشروعيتها من مصلحة الناشئ نفسه المحدّدة بأن يصبح إنساناً، اجتماعياً عاقلاً، حراً، مختاراً، مسؤولاً"(2).‏

إنّ هذه السلطة ليست موضوع نقاش، ولكن ممارسة الراشد لها أثارت وما زالت تثير الكثير من الجدل الذي لا نظن أنه سينتهي في كثير من تفاصيله، إلى نهاية حاسمة. ونحن إذ ندلي بدلونا في هذا الموضوع فإنما نفعل من أجل مقاربة لا تهدف إلى قول الكلمة الأخيرة، بقدر ما تهدف إلى تبصرة المعنيين بالناشئ، بمشكلات هذه الممارسة، وصولاً إلى تخليصها ما أمكن من العفوية والإرتجال، وجعلها ما أمكن مستنيرة بتلك المشكلات ووجهات النظر التي تتناولها والمواقف التي تدعو إليها.‏

في هذه المقاربة نتناول:‏

- مفهوم السلطة.‏

- نماذج السلطة ونماذج المشروعية التي تستند إليها.‏

- السلطة في التربية.‏

- المشكلات التي تثيرها.‏

- وجهات نظر السلوكيين والواقعيين وأنصار الطبيعة.‏

- تركيب النقائض في وحدات جدلية.‏

- استعمال السلطة في تربية الناشئ.‏

- أتركه سبعاً.‏

- أدبه سبعاً.‏

- رافقه سبعاً.‏

مفهوم السلطة:‏

السلطة هي القدرة على الإلزام، طوعاً أو كرهاً، بأمر أو بنهي، والقدرة على المساءلة والمحاسبة وإنزال العقوبة بالمخالف ومنح المثوبة للمطيع، وذلك استناداً إلى مشروعية تمارس السلطة باسمها، أي شكل من أشكال التأسيس العقلي المقبول الذي يجعلها مبرّرة أو مسوغة.‏

نماذج السلطة:‏

ونظراً لأهمية هذا التأسيس العقلي لمشروعية أي سلطة، فإن نماذج السلطة تتحدد انطلاقاً من نماذج المشروعية التي تستند إليها في ممارستها لأن أي سلطة تمارس من دون هذه المشروعية تتحول إلى ظلم وتعسف أو تحايل وغش.‏

إذا عدنا إلى التاريخ البشري نستقرىء تطوراته بحثاً عن نماذج السلطة ونماذج المشروعية التي استندت إليها فإننا نجد:‏

1- السلطة الملكية المطلقة التي تستند في مشروعيتها إما إلى كون الملك إلهاً (سلطة الفراعنة ومن شاكلهم) أو ممثلاً للإله على الأرض (سلطة البابوات والأباطرة في التجربة الأوروبية وبعض تجارب الحضارات الشرقية) أو إلى التفوق العرقي للأسرة، وهو تفوق مكتسب أصلاً بالقوة والغلبة، وتحول، بفعل الأسطرة، إلى تفوق عرقي مزعوم، يكسب من ينتسب إليه مكانة وشرفاً وحقوقاً لمجرد الانتساب إليه. وفي كل الأحوال فإن مثل هذه السلطة هي الأقل قابلية للتسويغ العقلي المقبول، لأن المشروعية التي تستند إليها غير عقلية وغير واقعية، ولأن إرادة الفرد ورغباته المتقلبة هي التي تحدد أشكال ممارسة السلطة.‏

2- السلطة الملكية المقيدة بشكل من أشكال التقييد (قرارات مجالس النبلاء أو الأشراف، أو حتى مجلس العائلة، أو أعراف وتقاليد سائدة، أو دستور وقوانين كما في الملكيات المقيدة الحديثة). والمشروعية التي تستند إليها أكثر معقولية من الملكية المطلقة لاسيما عندما تستند إلى دستور وقانون، حتى لو كان من وضع الملك أو أحد المجالس.‏

3- سلطة العقد وتستند في مشروعيتها إلى الإرادة الحرة للمتعاقدين. وباسم هذا العقد يحق لأي طرف أن يلزم، أو أن يطلب من سلطة إلزام طرف آخر بتنفيذ بند أو أكثر يتخلف عن تنفيذه، أو بتعويض ضرر نجم عن مخالفة أو غش في التنفيذ. وهذا النموذج من السلطة يمارس في الأنظمة السياسية وفي العقود والمعاهدات بين الدول والجماعات والأفراد على السواء. وهذه السلطة إذا استندت في مشروعيتها إلى الإرادة الحرة والمتكافئة للمتعاقدين كانت مسوغة عقلياً بصورة جيدة.‏

4- سلطة الخبير وتستند في مشروعيتها إلى الخبرة والمعرفة التي يقر له بها من يلجأ إليه لطلب المشورة أو النصيحة أو المعالجة... وإلا لما لجأ إليه. وطاعة سلطة الخبير هي التزام ذاتي يصدر عن قناعة ومعرفة مسبقة بأن مخالفة هذه السلطة تعني طيشاً قد يؤدي بصاحبه إلى التعرض للأذى أو للهلاك.‏

5- سلطة الحكم وتستند في مشروعيتها إلى حاجة المتخاصمين لإنهاء خصومتهما أساساً، وتستند إلى توسم العدل والحياد والمعرفة بالقوانين (لدى القاضي) أو قواعد اللعبة (لدى حكم اللعبة) بصورة ثانوية. وطاعة سلطة الحكم من قبل المتخاصمين قد يكون باقتناع ذاتي (التزام) أو خوفاً من العصيان وما يترتب عليه من إلزام من قبل قوة قاهرة.‏

السلطة في التربية: مشكلات الممارسة‏

بعد أن استعرضنا نماذج السلطة التي عرفها البشر ونماذج المشروعية التي استند إليها كل منها، نعود إلى السؤال: ما هي نماذج السلطة التي يمارسها الراشد على الناشيء خلال تربيته له؟‏

سنرى أن الراشد يمارس كل نماذج السلطة التي استعرضناها وهو يقوم بمهمته في تربية الناشيء، ولكن قبل ذلك علينا أن نعرض المشكلات التي تثيرها ممارسة تلك السلطة.‏

رأينا في المقدمة أن ما يسوغ سلطة الراشد على الناشيء هو مصلحة الناشيء في أن يصبح إنساناً بوساطة تربيته من قبل الراشد، وأشرنا إلى أن واقع المولود البشري وحاجاته جعل من هذه السلطة ومسوغها أمراً خارج النقاش وباسم مصلحة الناشيء في أن يصبح أنساناً.‏

ولكن أي إنسان؟‏

إن أي راشد يقوم بمهمة تربية الناشيء، يتوخى تحقيق أهداف يدركها بوضوح، أو يعمل على تحقيقها بصورة عفوية. وفي الحالتين يتم الأمر عبر ما يمكن تسميته التوريث الثقافي، أي نقل عوامل التجانس النسبي التي شكلت عوامل التكون التاريخي للمجتمع أو للجماعة التي ينتسب إليها إلى الناشيء لتمكينه من العيش في هذا المجتمع. ويمكن اختصار عوامل التجانس هذه في اللغة والعقائد والعبادات وأنماط السلوك وأشكال التفكير والتعبير واللباس... التي أصبحت قاسماً مشتركاً بين أبناء مجتمع أو جماعة بفعل حياة مشتركة خلال أحقاب من الزمن. يشعرهم بالتجانس من جهةٍ وبالتمييز عن غيرهم من المجتمعات أو الجماعات من جهة ثانية، ويؤدي إلى توافقهم نسبياً على الصالح العام أو الخير المشترك ويدفعهم للمحافظة عليه وتعزيزه والدفاع عنه تجاه الأخطار المحتملة.‏

إن الأسرة، وبعدها المدرسة ودور العبادة والنوادي والجمعيات... الخ وسائر المؤسسات الإجتماعية الوسيطة، تسعى أول ما تسعى، إلى تحقيق هذا الهدف، من ممارستها لدورها في التربية، أي هدف إيجاد التوافق النسبي بين أبناء المجتمع حفاظاً على تماسكه حول الصالح العام، وتأمين قدرته على الدفاع عند تجاه الأخطار الداخلية والخارجية المحتملة.‏

بكلام آخر، تبدو التربية كما لو كانت وسيلة بيد المجتمع لصياغة الفرد أو لقولبته بالقالب الذي يحفظ خير المجتمع، من خلال وضعه في القالب الثقافي الذي يشكل عامل التكون التاريخي له. مما يعني أننا نربي الناشيء من أجل المجتمع، ويصبح الجواب على سؤالنا: "ولكن أي إنسان؟" ببساطة: هو الإنسان القادر على التكيف والتوافق مع مجتمعه على الخير المشترك وعلى الحفاظ عليه.‏

ولكن هذا الهدف ينذر بأخطار منها:‏

- جمود المجتمع في الموروث الثقافي وعجزه عن الإستجابة لمتطلبات التجديد والتطور لأنه يجعل العقل المتكون بهذا الموروث أسير ما تكون به فيعجز عن الإبداع والتجديد الذي يشكل التحرر نسبياً من الموروث، أحد شروطه الأساسية. ونشير هنا، أيضاحاً للفكرة إلى أن غاستون باشلار (Gaston Bachelard) يميز بين العقل المتكون والعقل المكوِّن، أي العقل الذي استبدت به الثقافة الموروثة، والعقل القادر على التحرر (نسبياً) منها. ويذهب بعضهم في هذا المجال إلى حد تفسير ابداعات العالم الأميركي فإرادي في مجال الكهرباء إلى ضعف تكوينه الأكاديمي وبالمعنى نفسه يمكن مقاربة قول الإمام علي(ع) "لا تكرهوا أولادكم على أخلاقكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم"، إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم)وتفسير عناد المشركين وقولهم  .(مقتدون

- اختناق إمكانات الفرد واستعداداته الخاصة في شرنقة الثقافة الموروثة.‏

وذلك من خلال إكراهها على التقولب بقالبها ومنعها من التفتح الحر لتصبح ما يمكن أن تكون أو ما قدر لها الخالق أن تكون ودائماً بذريعة الصالح العام، ومن خلال ما تكونه من تعصب، قد يصبح أعمى، للذات الجماعية وثقافتها وقيمها.‏

ومن هنا نشأت مشكلة تفصيلية في مشروعية ممارسة سلطة الراشد على الناشيء وتتمثل في السؤال: إذا آمنا بالمشروعية المبدئية لهذه السلطة، فهل هذه المشروعية تخول الراشد تربية الناشيء على ما يريد الراشد، أم على ما يحتاج إليه الناشيء؟ لصالح المجتمع ممثلاً بالراشد أم لصالح الناشيء ممثلاً بالمتربي؟ وعن هذه المشكلة تتفرع مشكلة أخرى تدور حول كيفية ممارسة الراشد لسلطته على الولد: أيمارس سلطة الملك فيقوم بإكراه الناشيء على ما يريد من دون تسويغ غير تسويغ القدرة أو القوة، أم سلطة الخبير الذي يعرف ما يصلح الولد فيوجهه إليه وينصحه به ويترك له الخيار الحر أن يستجيب أو أن لا يستجيب ليكتشف بنفسه آثار الإستجابة وآثار عدمها، وليدرك بنفسه حاجته إلى التوجيه والنصح وليجعله بالتالي يطلبها بنفسه. أم سلطة العقد التي تقوم على اتفاق مبرم بين الراشد والناشيء قائم على موافقة كل منهما على بنوده والتزام بتنفيذ تلك البنود من قبل الطرفين. بما فيها مترتبات المخالفة أو الغش؟.‏

وجهات نظر في معالجة هذه المشكلات:‏

في تصدي علماء التربية لمعالجة هذه المشكلات نجد وجهات نظر يصل تعارضها إلى حد التناقض، وكلاهما يقع خارج التوسط الذي يشكل الفضيلة بين رذيلتين، وأخرى تسعى لأن تأخذ هذا التوسط.‏

فهناك وجهة النظر التي ترى أن ذهن الطفل الإنساني لوح مصقول يمكن أن يكتب عليه الراشد ما يشاء، وهذه الوجهة ينطلق منها التجريبيون والسلوكيون ليقولوا بالتالي إنّ في مقدور التربية كل شيء وأن الإنسان قابل كلياً للتشكل حسب رغبة المربي الحامل لمنطلقات المجتمع.‏

ونجد خير تعبير عن هذه الوجهة لدى المربي السلوكي الأميركي واطسن (Watson)، حيث يقول: "أعطوني دزينة أولاد في صحة جيدة.. وأعدكم أن آخذ واحداً منهم بلا تبصر فأروضه لكي يصبح أي نوع من الإختصاصيين الذي نريد، أعني طبيباً أو رجل قانون أو فناناً أو بائعاً وحتى متسولاً أو سارقاً، وذلك أياً كانت مواهب أجداده أو استعداداتهم أو ميولهم أو جنسهم"( ).‏

هل ما هو أوضح في إظهار قدرات التربية، وبالتالي المربي على قولبة الناشيء بالقالب الذي يريد؟ وإذا كانت كذلك فماذا يبقى للطبيعة الإنسانية وللفروق الفردية في الإستعدادات والقابليات بين أولاد البشر( ) وهل يمكن أن ننكر وجود مثل هذه الطبيعة وهذه الفروق؟.‏

إنطلاقاً من مثل هذه الأسئلة، وكرد فعل على إجاباتها المعلنة والمضمرة من قبل التجريبيين والسلوكيين، وعلى الممارسات التربوية القائمة على إكراه الناشيء على حفظ معلومات وتطبيق سلوكات رغماً عنه، كانت وجهة النظر المقابلة التي تقدس الطبيعة والفروق الفردية وتدعو إلى ترك الإستعدادات تنمو بحرية، وحماية هذا النمو من التدخلات الضارة للراشدين (أرسطو، مونتاني، روسو، رودجرز).‏

من الواضح أننا أمام وجهتي نظر متناقضتين، ولكل منهما مبرراتها، فأين نقف منهما؟.‏

للإجابة لا بدَّ من حسم مسألة وجود أو عدم وجود طبيعة إنسانية بالمعنى المشار إليه في الهامش، ومسألة وجود أو عدم وجود فروق فردية.‏

لا ريب في أن هنالك طبيعة إنسانية بالمعنى المشار إليه. فالناس في مختلف المجتمعات والثقافات أو الحضارات يشتركون في كونهم مخلوقات قابلة لأن تصبح قادرة على الكلام وعلى التفاهم والتفكير والتعقل... بما يجعلهم مخلوقات عاقلة إجتماعية، وأخلاقية ودينية وسياسية إلى آخر الصفات الناجمة عن هذه الطبيعة وإن كانت هذه الطبيعة تأخذ أشكالاً مختلفة تبعاً لكينونة الفرد ولإطار الثقافي الذي تنمو به وفيه.‏

نتعرف على هذه الطبيعة في مراحل النمو التي يمر بها المولود الإنساني من النواحي الجسدية والانفعالية والادراكية والاجتماعية والروحية والتي تتشابه بصورة إجمالية لدى جميع الناشئين مهما اختلفت المجتمعات والثقافات التي ينمون بها وفيها. ولولا هذا التشابه الإجمالي الملاحظ لما أمكن إقامة علم نفس النمو الذي يقوم على هذا التشابه ويسعى لاكتشاف الخصائص المشتركة للناشئين في كل مرحلة عمرية، متجاوزاً الفروقات الفردية في ما بينهم.‏

كذلك فإننا نتعرف على هذه الطبيعة في الطبع الخاص بكل ناشيء أي طريقته الخاصة في الانفعال ورد الفعل أو الإحساس والعمل، أو ما سماه علماء تصنيف الخصائص استناداً إلى العوامل الأساسية التي تحدّد طبيعة الإستجابة الخاصة بكل فرد أي مستوى الانفعالية( )، والنشاطية( )‏

والرجع( ).‏

هذه الطبيعة الإنسانية الخاصة بكل ولد تشكل نوعاً من المقاومة لإرادة المربي أو رغبته، وتحطيم هذه المقاومة يعني تحطيماً لها لإرغام الولد على أن يكون ما لم تؤهله طبيعته (فطرته) لأن يكونه، ما يعني خسارة قابليات لا ندري ما كانت تنتجه لخير الفرد ولخير الجماعة لو تمت رعايتها من خلال مساعدتها على النمو، بدل استبدالها بإنماء تفرضه رغبة المربي ولا يستند إلى قابليات فعلية لدى الناشيء، ما يجعله يشعر دائماً بأنه ليس ما يريد أن يكون أو ليس ما يرغب أن يكون لأنه ليس ما بإمكانه أن يكون فيشعر بالكره لما فرض عليه ولا ينجح في تحقيق رغبة المربي بالمستوى المطلوب، مع أنه حتى مجرد النجاح الشكلي أو الظاهري يظل غير مضمون على الإطلاق. وإذا صح ذلك فإنه يظهر بؤس وجهة نظر التجريبيين والسلوكيين. ولكن هل يعني ذلك الأخذ بوجهة نظر أنصار الطبيعة الداعية إلى ترك الإستعدادات تنمو بحرية وحمايتها من التدخلات الضارة للمجتمع عبر تدخلات الراشدين؟‏

إنّ ما يمنع من تبني هذه الوجهة حقيقة أن الطبيعة الإنسانية، تحتاج، للإنتقال من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل إلى الحياة في مجتمع، أي في إطار إنساني له لغته وعقائده وعباداته وأنماط سلوكه وأنماط إنتاجه، وطريقته في التفكير والتعبير وتقييم الأمور التي يتعلمها الناشيء ويعلمها، إما من خلال تقليد الراشد، وإما من خلال تدخل الراشد، ما يعني أن التربية بأساليبها المختلفة تظل ضرورية للناشيء لكي تأخذ طبيعته شكلها الخاص في إطار الشكل العام للمجتمع وبنيته الثقافية الأساسية.‏

لا ينكر أنصار الطبيعة هذه الحقيقة ولكنهم يطلبون إلى المربي أن لا يلجأ إلى سلطته لإلزام الناشيء بسلوك تعلمي أو أخلاقي، والاكتفاء بملاحظته وتوجيهه وإرشاده إلى ما ينبغي إرشاده إليه.‏

هذا جميل، ولكن ما العمل إذا لم يستجب، هل نتركه؟ أم نسعى إلى إلزامه بطريقة أو بأخرى؟‏

ما من مربٍ مارس التربية، أو معلم مارس التعليم إلا وجد نفسه مضطراً إلى نوع من إلزام المتربي، بنوع من المعرفة أو نوع من السلوك، وبالتخلص من نوع من الأخطاء التعلمية أو السلوكات غير المرغوبة. ما يعني أن استعمال السلطة لإلزام المتربي بشيء مسألة لا يمكن التخلي عنها. ولا تعود المسألة مسألة استعمال السلطة أو عدم استعمالها وإنما مسألة كيفية استعمال السلطة من قبل المربي. وهذا ما سنعود إليه لاحقاً.‏

يتضح مما تقدم أن المشكلات المطروحة هي عبارة عن ثنائيات زائفة ومضلّلة، وحلها يكون برفع هذا الزيف والتضليل.‏

فمشكلة استعمال السلطة هل تكون لصالح المجتمع ممثلاً بالراشد أم لصالح الناشيء ممثلاً بالمتربي تجد حلّها في تركيب النقيضين اللذين لا غنى عنهما واقعياً وفي الوقت نفسه. فليس من تربية ممكنة من دون الجمع بين مصلحة المجتمع ومصلحة الفرد: فاستدخال الفرد لثقافة المجتمع وقيمه يحقق مصلحة الفرد في أن يصبح إنساناً، ومصلحة المجتمع في أن يكون الفرد قادراً على التوافق مع المجتمع وملتزماً بصالحه العالم. ولكن انعدام التوازن بين المصلحتين، تارة لصالح المجتمع وقيمه، وطوراً لصالح الفرد وحريته هو الذي بعث المشكلة، والحرص على هذا التوازن هو الذي يحلها.‏

كذلك فإن مشكلة خطر جمود المجتمع وعجزه عن الإبداع والتجديد بفعل سجن عقول أفراده في سجن ثقافة موروثة ما يهدد باختناقها في شرنقة تلك الثقافة، هي مشكلة واقعية، منشأها الجدل بين الفكر والواقع. فالفكر يتكون بثقافة مجتمع محدّد في لحظة من لحظات تطورها التاريخي. وهذه الثقافة هي بالأصل استجابات مبدعة لحل مشكلات واقعية طرأت على المجتمع بفعل تطوره الذاتي أو بفعل تعارفه وتدافعه مع مجتمعات أخرى ذات ثقافات أخرى ولكن قد ينسى مصدرها وتؤخذ بوصفها حقائق مطلقة. ومن هنا ينشأ خطر التمسك بها والتعصب لها من دون تمييز بين الثابت كالعقيدة ومنظومة القيم والعبادات... والمتحول كأنماط الإنتاج والسلوك والتفكير والتعبير والتنظيم، والتعاطي مع المتحول وكأنه ثابت.‏

وبنفس الطريقة ينشأ خطر التعصب للذات الجماعية (الوطنية القومية أو الدينية والمذهبية) بصورة تعزلها عن الذات الإنسانية. في ثقافاتها وحضاراتها نتيجة عدم التمييز بين ما هو إنساني يشترك فيه جميع الناس كالعلوم والتقنيات، وأنماط التنظيم والتفكير... وما هو خاص ويشكل أساس الهوية الثقافية. أي العقيدة ومنظومة القيم والعبادات...‏

إن ما يخفف من هذين الخطرين هو مساعدة الناشيء على التمييز بين ما هو متحول وما هو ثابت، وبين ما هو إنساني عام، وما هو محلي وخاص، ما يمكنه من النظر إلى الأمور والحكم عليها بصورة نقدية منفتحة تدرك أن اختلاف الناس في ألسنتهم وألوانهم هي مشيئة إلهية، وتوزعهم إلى شعوب وقبائل تتعارف وتتدافع هي سنن إلهية أيضاً، ما يساعده على وضع الخاص في إطار العام، ويمكنه من الانفتاح على ثقافات أخرى والتفاعل معها وإن بصورة انتقائية.‏

كيفية استخدام السلطة في التربية:‏

بعد هذه الجولة الطويلة نسبياً في مشكلات فكرية على صلة باستخدام السلطة في التربية نصل إلى الجانب العملي، أي كيفية استخدام السلطة في التربية بصورة تقلل من مخاطر استخدامها على الناشيء إلى أقصى حد ممكن.‏

طرحنا سابقاً الأسئلة المعبرة عن مشكلات كيفية استعمال الراشد لسلطته على الناشيء من حيث نوع السلطة التي ينبغي استعمالها وكيف ينبغي أن يكون هذا الاستعمال. ولذا فإننا نبدأ بالأجوبة مباشرة.‏

يجد المربي نفسه مضطراً لاستخدام مختلف أنواع السلطة: سلطة الملك، وسلطة الخبير وسلطة العقد وسلطة الحكم، ولكن متى وكيف ؟ ولماذا ؟. هو ما ينبغي لنا إيضاحه.‏

وسننطلق في هذا الإيضاح من مأثور عن الرسول الأكرم(ص) يحدد سياسة عامة لتعاطي الراشد مع الناشيء. يقول هذا المأثور: "أتركه سبعاً، وأدبه سبعاً، ورافقه (أو وزره) سبعاً". النصيحة بترك الناشيء سبعاً تقابل الطفولة المبكرة، وبتأديبه سبعاً تقابل الطفولة المتوسطة والمتأخرة وبمرافقته أو توزيره سبعاً تقابل مرحلتي المراهقة والشباب.‏

أتركه سبعاً:‏

الترك يعني عدم التدخل في شؤون الولد، وترك الحرية له كما يوحي ظاهر الكلام على الأقل. ولكن الكلام المجمل لا يعطي الموقف مفصلاً، ما يعني تغليب المطلوب على ما يقابله.‏

من المعروف أن الطفل في السنوات السبع الأولى يتعلم ما يتعلمه تلقائياً من خلال التقليد وإجابات الراشدين في محيطه أو من هم أكبر منه سناً على أسئلته المختلفة المعبّرة عن فضوله وحبه للتعرف إلى محيطه الذي يجهل كل شيء فيه والذي يشكل تعرفه إليه حاجة متصلة بحاجته إلى الأمن (المجهول يخيفه والمعروف يطمئنه).‏

عن هذا الطريق يتعلم الطفل المشي واللغة المحكية في محيطه وبعض طرائق التعبير وأنماط السلوك وبعض مفردات العقيدة والأخلاق...إلخ.‏

إنه في هذه المرحلة يكاد يكون طالباً بكل ما في الكلمة من معنى يقصد بنفسه وبدوافعه الذاتية إلى تحصيل المعارف والسلوكات وقواعدها وآدابها.. حتى لو عارضتها في داخله دوافع أو رغبات أو حاجات أخرى لا تتفق مع ما يريده الأهل منه.‏

في هذا العمر، يشعر بالحاجّة إلى الأمن والمحبة والعطف والرعاية التي لا يجدها إلا عندهم وبالتالي فإنه يتخلى بصورة شبه عفوية عن رغبة أو حاجة تتعارض مع هذه الحاجة الأساسية، أو ينتهي إلى التخلي عنها بعد احتجاج وإلحاح يعبر عنه بالعناد والبكاء وسلوكات أخرى... إذا ظل الأهل على موقفهم مما يرغب به‏

هذا الوضع يجعل اللجوء إلى السلطة أو استخدامها لإلزام الناشيء بأمر لا يرغب فيه أو منعه من عمل يرغب فيه غير ضروري أو غير ملح وضار جداً في هذه المرحلة خصوصاً إذا استند إلى مجرد الأمر والنهي والمعاقبة على عدم الإستجابة من دون فهم الطفل للسبب.‏

إن تعاطي الطفل مع المعنيين به في هذه المرحلة تشبه تعاطي صاحب الحاجة مع خبير يثق بخبرته ولا يجد مفراً من اللجوء إليه، وممارسة سلطة المعنيين هنا (الأهل أو حادقة المدرسة). يجب أن تستند إلى المعرفة والخبرة. وكما أن لجوء صاحب الحاجة إلى الخبير يؤدي إلى تعزيز ثقته به أو أضعافها تبعاً للنتائج التي يحصل عليها، فإن الطفل يتصرف بالطريقة نفسها وإن لم يكن تصرفه يتم بالمستوى نفسه من الوعي والإدراك الواضح الذي نجده لدى الراشد. وكما أن صاحب الحاجة يدرك أن مخالفته لمشورته أو نصيحته أو صفته تعني طيشاً مؤذياً، فعلى المعني بتربية الطفل أن يضع نصب عينيه، جعله يدرك، بالممارسة أن مخالفته لتوجيهاته تعني طيشاً مؤذياً له، ليتمكن، مع الزمن من عدم مخالفتها بدافع ذاتي وليس مراعاة للمربي أو خوفاً منه. لأنه من دون هذه النتيجة لا يكون هنالك تربية بالمعنى الدقيق للكلمة. أليس الهدف الأساس للتربية استدخال الناشيء للأوامر والنواهي والضوابط... الآتية، ابتداء، من الخارج؛ لتصبح جزءاً من البنية القيمية لشخصيته، أي ما يكون ضميره الأخلاقي والديني والمهني والوطني... والإنساني؟؟‏

لتعزيز عملية الاستدخال هذه لابد من جعل الطفل يدرك أن مخالفة التوجيه أو الأمر أو النهي يقابله نوع من التعزيز السلبي، ومن هنا فإن سلطة الملك يجب أن تضاف إلى سلطة الخبير طالما أن الطفل لا يستطيع أن يدرك معنى الاتفاق أو العقد بينه وبين المعني به، والسعي شيئاً فشيئاً إلى إحلال سلطة العقد محل سلطة الملك تبعاً لنضج فهم الطفل وقدرته على إدراك معنى الاتفاق أو العقد والالتزام به.‏

وليس ذلك ممكناً قبل بلوغه الرابعة من عمره، وبعدها يتمكن من خلال التعود على نظام الحضانة أن يبدأ بالشعور الغامض (وليس الإدراك) بمعنى سلطة العقد التي نفضل أن نسميها هنا بسلطة النظام. إن ما يساعد المتربي على الاستجابة لسلطة الملك (أي السلطة التي لا يفهم مسوغاتها) هو شعوره بحاجته الماسة إليها بوصفها أباً أو أماً كما أسلفنا، وما يساعده على الاستجابة، في ما بعد، لسلطة النظام، هو الحياة المشتركة في إطار صف أو مدرسة حيث يعامل هو وسائر رفاقه، بالطريقة نفسها من قبل من يشعر بصورة غامضة، أنه بمثابة الخبير (أي الحادقة أو الناظرة...) الذي تعني مخالفته طيشاً من خلال ما سيتلقاه من تنبيه أو لوم أو حرمان من متعة مهما كانت بسيطة.‏

أتركه سبعاً إذن لا تعني عدم تدخل الراشد المعني بالطفل في هذا العمر، بل تعني التدخل برفق مقرون بالحزم.‏

لقد قيل: إذا شئت أن تطاع فاطلب ما يستطاع. والاستفادة من مثل هذه الحكمة هنا، تكون بمعرفة دوافع الطفل واستعداداته فلا نطلب إليه إلا ما ينسجم مع دوافعه واستعداداته بحيث يستطيع القيام به وذلك تلافياً لتراجعنا عما نطلبه فنعوده على المخالفة، وتلافياً لإساءة استعمال السلطة (سلطة الملك) لنكرهه على الاستجابة لما لا يريده لأنه لا يستطيعه أو لأنه لا ينسجم مع أي من دوافعه. وهذا هو ما قصدناه بالرفق. أما ما نقصده بالحزم فعدم التراجع عما طلب والتعزيز السلبي الملائم في حال العناد.‏

أتركه سبعاً تعني إذن معرفة المعنيين بالطفل متى يتركون العنان للطفل ومتى يجب الحد من ذلك، ومتى يستجيبون لرغباته ومتى لا يستجيبون. وهذا لا يتيسر للأهل من دون التعرف إلى دوافع الطفل واستعداداته.‏

فمثلاً إذا أبدى الطفل في السنة الثانية من عمره رغبته بترك يد أمه ليمشي بمفرده كان عليها أن تتركه يفعل، شرط أن يكون المكان آمناً وأن تظل قادرة على مراقبته. وإذا أراد أن يعبر الشارع دون مساعدة في عامه الرابع، كان علينا أن نتصرف بالطريقة نفسها. وقل ذلك في كل ما يمكن أن يبدي رغبته في القيام به من أنشطة يستحثه للقيام بها تقليد الكبار أو نضج الاستعداد. فمثلاً إذا أراد تقليد الكبار في استعمال السكين لقطع فاكهة يريد أن يأكلها قبل أن ينضج التآزر العصبي العضلي لديه لاستعمال السكين بأمان (في بداية الثالثة مثلاً) منعناه من استعمالها إذا كانت معدنية، ولكن يمكن السماح له باستعمال سكين بلاستيكي. وهكذا بالنسبة لكل الأنشطة التي تشكل خطراً محتملاً كالقفز من علو ما، وتعلم السباحة، وقيادة الدراجة ذات العجلتين...‏

وحتى عندما تترك له الحرية يجب أن لا يكون ذلك نوعاً من الإهمال الذي يمكن أن يشعر به فيجد فيه لا مبالاة به وينعكس سلباً على شعوره بالحاجة إلى العطف والرعاية، والأمان والحكمة هنا، في استعمال السلطة، تقوم في أن لا نترك الطفل يفعل ما يشاء ولا نلجمه عن فعل ما يشاء، وفي أن نلاحظ الطفل فنساعد الطفل الخواف على ممارسة الأنشطة والألعاب الملائمة لعمره. ونساعد الطفل المقدام أو المغامر على إمساك نفسه بعض الشيء.‏

في بعض الأحيان يصر الطفل على شراء لعبة، أو يرفض أن يخلع ملابسه، أو أن يستحم، أو أن يعيد اللعبة لأخيه... ويستخدم لذلك كل أنواع الضغوط: الصراخ، البكاء، محاولة الإيذاء.. وفي كثير من الأحيان يثير مثل هذا السلوك عصبية الأهل (وربما الحادقة في ظروف مختلفة) فيلجأون إلى استخدام سلطتهم بشيء من العنف (الضرب، الصراخ، الإخراج العنيف من المتجر).‏

في مثل هذه الحالات يفضل للأهل أن لا يلجأوا إلى مثل هذا الاستعمال للسلطة، وأن يتصرفوا بما يجعل الطفل يدرك أن ضغوطه بهذه الطريقة غير مجدية. كأن يتركوه يفعل حتى يتعب وإظهار عدم الاكتراث بما يفعل خاصة إذا كان ما يقوم به هادفاً لتحقيق رغبة غير مقبولة (شراء لعبة لديه الكثير منها، الإستئثار بلعبة أخيه أو أخته)، أو إلهائه بشيء آخر يحول انتباهه عما يريده... وفي الحالتين المبادرة إلى الكلام اللطيف والمهدىء وإظهار الحنان عند أدنى بادرة استرخاء تظهر لديه.‏

إن المعنيين بالطفل سيكتشفون بأنفسهم أساليب كثيرة أخرى للتعاطي مع هذه الأمور بعيداً عن الاستعمال العنيف للسلطة، إذا كانوا فعلاً يحبون الطفل، واستناروا بالتعرف إلى دوافعه واستعداداته( ).‏

بعد بلوغه الخامسة من عمره (إنهاء الرابعة) ينتقل الطفل عادة من جو الأسرة الدافىء والحميم والمتعاطف بلا حدود إلى جو الحضانة حيث يكون على الحادقة أن توزع اهتمامها ورعايتها وعطفها على كل أطفال الصف بالعدل فلا تعود لديه الامتيازات التي كان يجدها في الأسرة، ويلحظ أنه ورفاقه يخضعون لنظام واحد في الدخول والخروج والجلوس وممارسة الأنشطة، فيتولد لديه شعور غامض بمعنى النظام، ومعنى الطاعة، ومعنى العصيان ومعنى الحياة الجماعية التي تنتظمها قواعد للعلاقة، بكلام آخر بتولد لديه شعور غامض بمعنى سلطة العقد، وينبغي أن تسهر الحادقة على تحويل هذا الشعور إلى إدراك وذلك من خلال الإيضاح القابل للفهم من قبل الطفل لقواعد العمل في الصف، فإذا خالفها أوقفته، وحاولت أن تجعله يتذكر القاعدة، ويتذكر أنه خالفها، ويتذكر ما يقابل ذلك من تعزيز سلبي. فإذا عجز عن ذلك طلبت إلى أطفال آخرين أن يذكروه، وبهذه الطريقة نساعد الطفل على استدخال تلك القواعد، شيئاً فشيئاً حتى تصبح الاستجابة لها ذاتية وبذلك يبدأ إدراكه لمعنى سلطة النظام الذي يمهد لإدراك معنى سلطة العقد، عندما يتقدم به العمر. وما أشرنا إليه من ضرورة الرفق والحزم في التعاطي مع الطفل من قبل الأهل ينطبق من باب أولى، وبالمعنى نفسه على تعاطي الحادقة أيضاً.‏

أدّبه سبعاً:‏

قد يوحي هذا الأمر «أدّبه سبعاً» بفكرة الإلزام الإكراهي واستعمال القسوة في تربية الطفل بعد بلوغه العام السابع. لكن مراجعة مأثورات أخرى للرسول(ص) تنفي هذا الإيحاء. فعن النبي(ص) قال: «أكرموا أولادكم وأحسنوا آدابهم»( ) و«إذا نظر الوالد إلى ولده فسرّه كان للوالد عتق نسمة» ( ) وعندما نظر إلى رجل له إبنان فقبل أحدهما وترك الآخر قال (ص): «فهلا ساويت بينهما». فكيف نفهم، إذن، هذا الأمر «أدّبه سبعاً»‏

بعد بلوغه السابعة من عمره، يكون على الطفل أن يقوم بكثير من الأعمال التي لا يجد في نفسه الرغبة المباشرة للقيام بها، فإذا ذهب إلى المدرسة كان عليه أن يتعلم القراءة والكتابة والحساب وغيرهما من المواد التي تحددها المناهج، وكان عليه أن يخضع لنظام دقيق في الوصول إلى المدرسة ومغادرتها، وفي التعاطي مع معلميه وزملائه سواء في الصف أم في الملعب، والتعاطي مع دروسه وفروضه ونظافته إلى أخر ما هو معروف من متطلبات المدرسة. وإذا لم يذهب إلى المدرسة وكان عليه أن يمارس عملاً ما، مع أبيه في الحقل أو المتجر أو المشغل، أو مع غير أبيه، وكان عليه بالتالي أن يخضع لنظام هذا العمل ومتطلباته بما لا ينسجم في الكثير من الأحيان مع ميله للدعة والراحة واللعب الحر. وفي الحالين يكون على الطفل أن يتصرف تبعاً لقواعد سلوك سائدة في المجتمع وذلك في تناوله الطعام وارتدائه اللباس، وإلقائه التحية، وإقامة العلاقات مع من هم في عمره أو غير عمره، أضف إلى ذلك ما ينبغي له أن يقوم به أو أن يتدرب عليه من العبادات وكل ما يسعى المجتمع إلى توريثه للطفل من المعطيات الثقافية التي تمكنه من العيش في المجتمع والتوافق معه.‏

في كل هذه الأمور التي على الطفل أن يقوم بها أو أن يصبح قادراً على القيام بها، على الرغم من تعارضها مع رغباته المباشرة، تتطلب نوعاً من الالزام للطفل من قبل الراشد، أي أنها تتطلب استعمال الراشد لسلطته في الأمر والنهي، والترغيب والترهيب، والمساءلة والمحاسبة والتعزيز بوجهيه الإيجابي والسلبي، واستعمال هذه السلطة من قبل الراشد ليست موضوع نقاش بذاتها كما رأينا لأنها حق للطفل وواجب على الراشد بحكم السنن الإلهية الحاكمة على علاقة الراشد بالطفل وعلاقة الطفل بالراشد، لكن ما هو محل نقاش هو كيفية استعمال هذه السلطة بصورة لا تسيء إلى الطفل في حاضره، وبالتالي في مستقبله.‏

إن بعض الراشدين من الأهل والمعلمين والوعاظ... إلخ يسيئون فهم أمر الرسول(ص) فيظنون أنه يأمر بإكراه الطفل بعد بلوغه السابعة، على الاستجابة لأوامرهم ونواهيهم بشتى الأساليب، بما فيها الأسهل والأفعل بالنسبة لهم أي الإهانة أو الضرب أو الزجر والتعنيف بالقسوة اللازمة لجعل الطفل يخضع ويستجيب لما يريدون. وإذا أخل بشيء من ذلك عاقبوه بالطريقة نفسها والذهنية نفسها. ولكن ما هي النتائج المحتملة لمثل هذا التعاطي؟.‏

إن طفلاً يؤدب بهذه الطريقة لن يكون سوياً لا في شبابه ولا في رشده. بل سيشكل حالة من الحالات الثلاث التالية التي هي في رأي كارن هورناي نتيجة لجوء الطفل إلى ثلاثة أساليب دفاعية تتأصل لديه ويصبح عاجزاً عن تجاوزها بحيث تصبح سمة خاصة بشخصيته يصعب التخلص منها( ).‏

- الحالة الأولى هي حالة المستكين العاجز، وهي ثمرة أسلوب دفاعي يقوم على «أن يجعل من نفسه تابعاً ومطيعاً للآخرين ويتصرف وفق ما يشاؤون كي لا يبقى هنالك أي دافع لإلحاق الأذى به. وفي هذه الحالة يذعن الطفل على الرغم من شعوره بالألم والأذى الباطني الناجم عن ظلم من حوله وإجحافهم. فهو يسعى أيضاً لكسب ودهم والالتجاء إليهم. ويلتصق بأقوى فرد في الأسرة وأشدهم ويستسلم له ويتكل عليه ليكسب تأييده وحمايته».‏

هذا المستكين يصبح في سن الشباب والرشد راغباً في أن يكون تابعاً وتحت سلطة الآخرين. وهو عاجز عن توكيد ذاته، ويفتقد لجرأة وشهامة السعي لبلوغ أهداف سامية، ولأن حياته وكل وجوده مرتهن بالآخرين، ويحيى لأجلهم فهو يمتنع عن أداء أي عمل يصب في صالحه ولأجله هو ؟‏

إنه يفترض أساساً أن الجميع أعلى مرتبة منه وأذكى وأعلم وبشكل عام أهم منه لذلك فهو يستسلم لهم، ويشعر بشيء من الأمن في هذا الاستسلام، تماماً كما كان يشعر بالأمن وهو طفل ضعيف عاجز وهو يستسلم لرغبات الأقوياء في الأسرة.‏

- الحالة الثانية هي حالة المشاكس الذي يسعى لتعزيز مكانته بشكل لا يجرؤ الآخرون على إلحاق الأذى به، فيكون في شبابه ورشده إنساناً مشاكساً مندفعاً لإثارة النزاع وله ميل شديد للهيمنة والتفوق، وذو سلوك عنيف وجريء إلى درجة التهور. ويقمع من يعارضه أو يواجهه. يرغب بالسيطرة والتسلط وظلم الآخرين.‏

بكلمة واحدة إنه سيكون عدوانياً يتصور أن الحياة ميدان للنزاع والمواجهة، ويعتبر القساوة والغطرسة دليلاً على القوة والمكانة، ويرى أن استغلال أي وسيلة لبلوغ الهدف هو نوع من الواقعية، وسيكون ممن وصفهم الرسول(ص) بقوله: «ألا إن شرار أمتي الذين يكرمون مخافة شرهم»( ) وأمير المؤمنين(ع) بقوله: «شر الناس من يتقيه الناس مخافة شره»( ) .‏

- الحالة الثالثة هي حالة الإنطوائي الذي >يحاول إبعاد نفسه عن الآخرين، ما أمكن، فلا يتصل بهم ولا يعاشرهم كي لا يتلقى الأذى منهم. فهو لا يريد أن يستسلم ويطيع ويتكل كالحالة الأولى، ولا يريد أن يكون مشاكساً ومواجهاً كما في الحالة الثانية، فينصب سعيه للإنسحاب من الميدان والابتعاد عمن حوله والانفراد بنفسه. ويصبح هذا الإنطوائي في شبابه ورشده شخصاً غريباً عن المجتمع والناس وغريباً عن نفسه ولا يعرف ما يحب وما يكره.‏

ولا يعلم بأي شيء يعتقد ولا ماذا يستهدف... كل ما يعلمه أنه يجد راحته في اعتزال الآخرين والابتعاد عنهم.‏

وهذه الحالة تتعارض مع ما يريده الإسلام للإنسان من قدرة على التآلف مع الآخرين والتفاهم معهم. يقول رسول الله’ في مأثور عنه «خياركم أحسنكم أخلاقاً يألفون ويؤلفون»( ).‏

هذه الحالات الثلاث التي يمكن أن تنجم عن التعاطي بقسوة وعنف وفظاظة مع الولد في هذه المرحلة العمرية تطرح السؤال عن سر الاختلاف الذي يولدها، مع أنها جميعاً تنشأ في مواجهة سلوك الراشد المتسم بالعنف والقسوة.‏

إن هذا الاختلاف يعود إلى الطبع الخاص الناجم عن الوراثة في ما يقول عالم النفس «آدلر» في كتابه «معرفة الطباع الإنسانية»، حيث يميز بين نوعين من الطباع: الطبع الخانع والطبع الآمر. عن الطبع الخانع تنشأ الحالتان الأولى والثالثة، وعن الطبع الآمر تنشأ الحالة الثانية. وهذه الفكرة هي تطوير لتقسيم يونغ الطبائع إلى انبساطي يتجه برد فعله على موقف إلى الخارج، وانطوائي يتجه رد فعله إلى الداخل، إلى ذاته،‏

مهما يكن من أمر هذه التفسيرات أو التعليلات، فإن التربية بالعنف والقسوة، تتعارض في نتائجها، كما رأينا مع مقاصد الرسول(ص) من قوله "وأدبه سبعاً" فهل المقصود إذن تكريم الولد بدون حدود لحسن أدبه كما ورد في المأثور: "أكرموا أولادكم وأحسنوا آدابهم"؟‏

إنّ عطف عبارة "وأحسنوا آدابهم" على عبارة "أكرموا أولادكم" تؤكد أنّ ليس هذا هو المقصود. بل المقصود هو أن لا نفرط في التأديب فنلجأ إلى العنف، ولا نفرط في الإكرام فنجعل الطفل يكتسب صفات الولد المدلل، لأنه بعد أن كان عزيز أبويه ومحبوبهما وموضع إكرامهما بلا حدود، كل طلباته مستجابة وكل رغباته منفذة، لن يجد لنفسه، عندما يكبر ويدخل المجتمع، ما كان يجده في محيط الأسرة من تعزيز دون استحقاق ومن مكانة دون جدارة، فتضطرب حالته النفسية ويختل توازنه الفكري ويعجز عن التكيف مع وضعه الجديد بصورة موضوعية، فإما أن ينسحب إلى العزلة أو الموت (الإنتحار) أو إلى الكحول والمخدرات وغيرها هرباً من الوضع الجديد حيث لا يجد من يعامله معاملة الأهل داخل الأسرة وينقذه من تعاسة داخلية تلازمه بالضرورة.‏

إذن كيف نفهم عملية التأديب المطلوبة؟‏

قبل أن ندخل في الإجابة على هذا السؤال يبدو مفيداً أن نؤكد ونلح في التأكيد على حقيقة أن الإفراط في اللجوء إلى السلطة والتفريط بها كلاهما ضار كما رأينا، ولا بد من البحث عن فضيلة استعمال السلطة بين هاتين "الرذيلتين"، وأن نؤكد ونلح على حقيقة أن الإلزام في التربية من قبل سلطة خارجية لا يؤتي أكله إلا إذا تحول إلى قدرة على الالتزام أي الاستجابة للأوامر والنواهي وضوابط السلوك بقرار ذاتي مبني على قناعة في أن مصلحة المعني تقوم في هذا الالتزام. وهذا لا يمكن تحقيقه بواسطة الإكراه المستند إلى الخوف من السلطة ومن قوتها في نظر الطفل كوسيلة من وسائل التربية، لأن مثل هذه الوسيلة لا تنتج إلا إنطوائيين أو هروبيين أو مشاكسين كما رأينا، وبالتالي أناساً عاجزين من ممارسة حريتهم ومسؤوليتهم إمّا خوفاً من السلطة أو تحدياً لها. وما لا يمكن تحقيقه بهذه الوسيلة، لا يمكن تحقيقه بالمقابل بوسيلة المبالغة في إكرام الطفل وتدليله لأن غياب الإلزام لا ينتهي إلى توليد الالتزام عبر استدخال الأوامر والنواهي تحت طائلة التعزيز الإيجابي والسلبي، وهذا ما يقود إلى القول إنّ الاستعمال الرشيد للسلطة من قبل المربي، سواء أكان أباً أو أماً أو معلماً، أو أي معني بالطفل يقوم على التركيب المبدع أو المزاوجة الخلاقة بين الإكرام والإلزام، فكيف يمكن أن يتم هذا التركيب والمزاوجة؟.‏

يتم ذلك، مبدئياً من خلال مراعاة المبادىء التالية:‏

1- توسل دوافع الطفل نفسه من مثل حاجته إلى المعرفة والمكانة والحب والتقدير والأمن... لإلزامه بالاستجابة لأمر مرغوب به، وثنيه عن أمر غير مرغوب به. لأن هذه الحاجات المعنوية غير المباشرة لا تقل أهمية، بالنسبة له، عن حاجاته المادية المباشرة، كحاجته إلى الطعام والشراب واللعب. وهذه الحاجات هي التي تمكن الطفل من الاستجابة لكثير من رغبات وتوجيهات الأهل والمعلمين وإن تعارضت مع رغباته المباشرة. فهي التي تجعله مثلاً يستيقظ وينهض من فراشه ويعد نفسه للذهاب إلى المدرسة على الرغم من شعوره بالحاجة إلى النوم، وهي التي تجعله ينكب على دروسه وفروضه على الرغم من شعوره المباشر بالحاجة إلى اللعب أو مشاهدة التلفاز، وهي التي تجعله يتقيد بالأنظمة المدرسية وما يترتب عليها من تكاليف وأعمال لا يرغب بها ابتداءً.‏

ولكن التوسل بهذه الدوافع من قبل الأهل أو المعلمين يجب أن يكون مسبوقاً بشعور الطفل بأن حاجاته المعنوية قابلة للتحقق عندهم ومن خلالهم بفعل تجربته الحية معهم خلال فترة من الزمن حيث وجد التشجيع لكل عمل أو سلوك يعبر عن هذه الحاجات، والتنفير اللطيف والهادىء من كل عمل أو سلوك يسيء إلى إشباعها ويقوم به من دون انتباه لانعكاساته السلبية، وذلك بتعريفه بمثل تلك الإنعكاسات وتنبيهه إلى عدم تكرار مثلها، وحيث أدرك بالتجربة نفسها أن هؤلاء الأهل والمعلمين يحبونه ويقدرونه ويعملون لخيره، ما يؤدي إلى ثقته بهم ويعزز لديه القدرة على الاستجابة لرغباتهم وتوجيهاتهم، ويتقبل أي مستوى من التعزيز السلبي في حال عدم الاستجابة، شرط أن يكون هذا التعزيز عادلاً ومن شأنه أن يعالج عدم الاستجابة المعنية، من دون أن يشعره بأن هذا التعزيز هو نوع من الانتقام.‏

2- الثقة بقدرة الطفل على الحكم، والثقة بأن مشاعره الإيجابية والسلبية تجاه المعنيين به ليست مجانية بل لها ما يبررها في سلوكهم تجاهه. نعم مع تكرار التعاطي المسيء للطفل وقيام الحاجز النفسي بينه وبين المعني به، يتفاقم تأثير الاساءات التالية، ويصبح من العسير إصلاح الأمر، وهذا ما يفترض من أولئك المعنيين أن يحرصوا على عدم الإساءة له، وإذا حدث شيء من ذلك كان على المعني به أن يسارع إلى إيضاح الأمر، وتخفيف أثر الإساءة بأسلوب ملائم، تعزيزاً لثقة الطفل بعدالته وبمحبته.‏

3- التدرج في استعمال التعزيز بوجهيه السلبي والإيجابي والحرص على أن يكون هذا الاستعمال مساعداً فعلاً على ترسيخ السلوك المرغوب به وتطويره، وعلى تثبيط السلوك غير المرغوب به واجتثاثه، وإلا اعتبر من خارج السياق في الحالة الأولى، وانتقاماً في الحالة الثانية.‏

4- التسلح بما يمكّن المربي من معرفة الطفل ولو بصورة خلاصات سريعة من علم نفس النمو وعلم نفس التعلم التي تساعد على تفهم سلوكات الطفل وعلى التعاطي معها بحكمة. وإذا كان كل عامل ملزم بأن يتعرف على موضوع عمله بالنظر أو بالممارسة أو بكليهما معاً، فإن المربي يجب أن يلتزم بالتعرف إلى الطفل الذي هو موضوع عمله. وإلا فإن ممارسته تظل معرضة للأخطاء التي قد تكون أحياناً مدمرة للطفل.‏

إن مراعاة هذه المبادىء تمكن المربي الراشد من استخدام سلطته على المتربي بصورة أقل تعرضاً للوقوع في الأخطاء. وما دام الكلام على السلطة فإننا نذكر بضيق الراشدين وتبرمهم وربما ثورتهم على السلطات المستبدة، التي تستخدم القوة القاهرة في الزامهم بالسلوكات التي تريدها تحت طائلة العقوبات القاسية والعنيفة، لنقول إن ذلك يصدق من باب أولى على الطفل وإذا كان ذلك كذلك فكيف نربي الطفل وهو كاره لنا وضائق بنا؟‏

رأينا نتائج استعمال أساليب مثل تلك السلطات في التربية، وإذا أردنا تلافي تلك النتائج كان علينا الابتعاد عن استعمال تلك الأساليب لإحلال أساليب ما يمكن أن نسميه "السلطة الأم" في مقابل أساليب "السلطة الشرطي" وإلا تحولنا من "مربي" إلى "شرطي".‏

التأديب يعني زرع واستنبات منظومة قيم تتضمن قواعد لتعاطي المتأدب مع نفسه ومع خالقه ومع بيئته ومع إخوته في الدين والوطن والإنسانية ... و«أحسنوا آدابهم» يعني أحسنوا زرع واستنبات هذه المنظومة لديهم. المنظومة موجودة في كل مجتمع، وفي مجتمعاتنا هي المنظومة الإيمانية عموماً وبصيغتها الإسلامية خصوصاً. وتبقى المهمة مهمة الزارع. أما الأرض. «... وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية، ما ألقي فيها من شيء قبلته، فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك» يقول الإمام علي(ع) في مخاطبة ابنه الحسن(ع)( ) ويبقى على الزارع أن لا يفسد هذه الأرض فلا يملآها بالأشواك والنباتات الضارة ويمنعها بذلك عن تقبل زرعه، أو إذا قبلت شيئاً منه نما بصورة ضعيفة ومشوهة.‏

إذا كان اللطيف الخبير يرشدنا إلى التعاطي مع الراشدين الذين اكتمل نضجهم بالتي هي أحسن، وبالحكمة والموعظة الحسنة، فكيف الحال إذا كنا نتعاطى مع طفل في طور النضج وشخصيته في طور التكون والعنف معه يؤدي إلى النتائج التي أشرنا إليها ؟‏

استعمال السلطة في هذه المرحلة:‏

في هذه المرحلة أيضاً يستخدم المربي مختلف أشكال السلطة ولكن بنسب مختلفة:‏

- فهو يستمر في استخدام سلطة الملك التي كانت في المرحلة السابقة مبررة في نظر الطفل بما يجده لدى تلك السلطة (الأب والأم والحادقة) من قدرات وإمكانات تجعلها تتصرف بحرية وتفعل ما تريد دون حسيب أو رقيب. وبالتالي فهي في نظره من يمكِّنه من إشباع حاجاته أو يحرمه منها، تبعاً لاستجابته أو عدم استجابته لأوامرها أو نواهيها، بغير فهم (غالباً)، ودائماً بدافع إشباع حاجاته وتلافي حرمانه من ذلك الإشباع، لاسيما حاجاته المعنوية إلى الحب والأمن والمكانة.‏

في هذه المرحلة تضاف سلطة المربي- المعلم إلى سلطة المربي- الأهل. وسلطة نظام المدرسة إلى سلطة نظام الأسرة. والعلاقة مع الزملاء في الصف وفي المدرسة إلى العلاقة مع الإخوة أو أبناء الأقارب، وإلى ذلك تضاف حاجة الولد إلى الفهم، أي إلى تبرير الأوامر والنواهي وتسويغها، ومن أهم عوامل توليد هذه الحاجة هو ما يلاحظه من تفاوت المواقف من سلوكاته وتصرفاته من قبل الأهل والمعلمين والنظار... إلخ. معطوفاً على حاجته الفطرية إلى فهم كل ما يحيط به. بما فيها تصرفات الآخرين تجاهه. وهذا ما يقتضي في هذه المرحلة السعي لإيجاد نوع من التجانس أو التوافق بين مواقف المعنيين بتربية الطفل، كما يقتضي من أولئك المعنيين الإنتقال شيئاً فشيئاً من استعمال سلطة الملك المطلقة إلى سلطة الملك المقيدة بنظام مفهوم من قبل الطفل. ولا يمكن أن نسمي هذه السلطة بسلطة العقد، لأنه ليس للطفل أصلاً دور في الموافقة عليه أو رفضه. ومع ذلك فإن تعريف الطفل بهذا النظام (المدرسي والأسري) وشرحه له مع شيء من التعليل يساعده على فهم النظام وموجباته، وفهم ما قد يتعرض له من تعزيز سلبي في حال مخالفته، كما يساعده، وهو الأهم، على الاستجابة له بصورة طوعية.‏

وكلما تحلى المربي بالأناة والصبر ولم يلجأ إلى استعمال سلطته بوصفه ساهراً على النظام، قبل أن يطلب إلى الطفل الذي خالفه أن يتعرف إلى مخالفته وأن يقدر التعزيز السلبي المقابل لها بناء على معرفته بالنظام المشروح له سابقاً... كلما فعل ذلك ساعد المتربي على تفهم ذلك التعزيز. وساعده على الاستجابة للنظام بصورة طوعية، ومهد بذلك للانتقال معه في مرحلة الطفولة المتأخرة إلى الاقتراب من استعمال سلطة العقد، التي ستصبح الأساس في مرحلة المراهقة والشباب.‏

- وهو يستمر في استخدام سلطة الحكم في إدارة النزاعات المحتملة بين التلاميذ أو الأخوة وحلها بصورة عادلة وحكيمة ومن موقع الحكم المحايد، وكذلك في تقييم تحصيل التلاميذ وسلوكاتهم من قبل المعلم أو الأهل. وعلى المربي، أن يحرص على أن يظل الحكم النزيه العادل والمحايد. لكي لا يسقط في نظر المتربي، وتضيع جهوده التربوية بفعل هذا السقوط.‏

- وهو يستمر أيضاً في استعمال سلطة الخبير الذي يملك الخبرة والمعرفة التي تمكنه من إسداء النصح أو المشورة أو الإرشاد، وتمكن صاحب الحاجة من التلاميذ أو الأبناء من الاستجابة التلقائية أو العفوية لها تلافياً للأضرار الناجمة عن مخالفتها، والتي يتعرض إليها التلميذ أو الإبن بالتجربة المباشرة والمتكررة.‏

ولكي يحافظ المربي على سلطة الخبير عليه أن يحرص على صورته هذه في نظر التلاميذ والأبناء، فلا يجيب عن سؤال لم يتأكد من صحة إجابته عليه حتى لو اضطر إلى استمهال الإجابة ريثما يعود إلى بعض المراجع، ولا يقدم نصحاً أو مشورة أو إرشاداً قبل أن يتعرف إلى وضع طالب المشورة وما يصلح له إلخ. وهو، بسلوكه هذا، لا يحافظ على صورته فحسب، وإنما يشكل قدوة للمتربي أيضاً.‏

مهما يكن شكل السلطة التي نستخدمها في هذه المرحلة لتأديب الطفل بالمعنى الذي أشرنا إليه فإننا يجب أن نتحلى بالصبر والأناة، لا سيما في حالات التعزيز السلبي، فلا نلجأ إلى المعاقبة، مهما كان نوعها، قبل التفكير بها وبنتائجها، ومدى ملاءمتها للمخالفة وللطفل المخالف من الناحية التربوية. وهذا ما يقتضي ألا نعاقب ونحن في حالة من الغضب أو الضيق. أو في حالة من السرور الغامر، كذلك يجب أن ندرك أن كل مخالفة ترتبط بالمخالف، وأن كل مخالف له سماته الشخصية الخاصة، وكذلك كل مطيع، فنأخذ الفروق الفردية والتاريخ الشخصي بعين الاعتبار «فنجعل لكل مقام مقالاً». وتأسيساً على ما تقدم نمتنع عن العقوبة الجماعية أو الإثابة الجماعية إلا في حال توافق مجموعة وتصرفها كفريق إن شراً فشر وإن خيراً فخير. حتى في هذه الحالة يجب أن نميز بين «القائد» و«المقود» ومستويات المساهمة لكل فرد في المجموعة أو الفريق، أو في حال التنازع بين أخوين أو تلميذين على شيء واحد كما لو تنازعا مثلاً على وضع التلفاز على برنامج أو آخر، أو تنازعا على لعبة لا تخص أياً منهما... هنا تقتضي الحكمة أن نغلق التلفاز أو أن نأخذ اللعبة ريثما يتوافقا بينهما على طريقة ما، كأن يتقاسما الوقت أو اللعبة....‏

رافقة "أو وزرة" سبعاً‏

في موضوع المراهقة تحدثنا عن خصائص المراهق، وحاجاته الأساسية في هذه المرحلة، وتحدثنا عن كيفية التعاطي مع هذه الحاجات بشيء من التفصيل. وكيفية التعاطي التي عرضناها. استندت بصورة أساسية إلى حقيقة أن السلطة الملائمة للتعاطي مع المراهق هي أولاً سلطة الخبير، الذي يعرف وضع المراهق وحاجاته ويعرف أهداف أو مطالب النمو التي يسير باتجاهها ويجب أن يساعده على بلوغها بأكثر ما يمكن من الأمان وبأقل ما يمكن من الأخطار.‏

وهي ثانياً سلطة العقد، لأن المراهق لم يعد طفلاً يقبل الأوامر والنواهي والحقائق لأنها صادرة عن سلطة بالدرجة الأولى (سلطة المعرفة وسلطة القوة أو القدرة)، بل أصبح في وضع المتجه نحو الرشد الذي يريد أن يشعر باستقلاله ومكانته، وأن يكوّن شخصيته عبر تكوين مفاهيمه وقيمه وعقيدته الخاصة ونظام حياته وهذا ما لا يقبل أن يفرض عليه فرضاً من قبل سلطة شبيهة بسلطة الملك وإن مقيدة بقوانين، بل يريد أن يكون له دور في تكوينها وصياغتها بصورة مقنعة تجعله يلتزم بها التزاماً طوعياً، وهذا ما لا يتأتى مساعدته عليه من قبل المربي (في الأسرة أو في المدرسة) إلا من خلال سلطة العقد أي الاتفاق الحر والمباشر بينه وبين المربي من خلال حوار مفتوح يتناول كل ما يهم المراهق، بما فيها النظم المدرسية، ويناقش أي تفصيل، ويسمح بنقده واقتراح بدائل وتبني ما يمكن تبنيه منها أو الإقناع بما لم يكن مقنعاً له من هذه التفاصيل. وأهمية الحوار هذا مع ما يفترضه من استماع، تنبع من حاجة المراهق إليه ولأن أكثر ما يشكو منه المراهق هو عدم وجود من يستمعون له أو عدم وجود من يثق به ويؤمنه على أسراره، ليفتح له قلبه ويلقي بين يديه ما يعاني منه طالباً مساعدته على التعاطي مع مفردات تلك المعاناة.‏

وهي ثالثاً سلطة الحكم، بالصفات والمهام التي أوردناها سابقاً مع الإشارة إلى ضرورة إفساح المجال أمام المراهق أو الشاب لـ «استئناف» حكم المعلم لدى الناظر، أو حكم الناظر، لدى المدير، أو لدى المرشد التربوي أو الديني... إلخ واستئناف حكم الأب لدى العم أو الجد، أو أي شخص يتوسم فيه الحكمة ويعرف علاقته الجيدة بالأب...‏

 

 

 

الرزنامة


أيار 2020
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
26 27 28 29 30 1 ٠٨ 2 ٠٩
3 ١٠ 4 ١١ 5 ١٢ 6 ١٣ 7 ١٤ 8 ١٥ 9 ١٦
10 ١٧ 11 ١٨ 12 ١٩ 13 ٢٠ 14 ٢١ 15 ٢٢ 16 ٢٣
17 ٢٤ 18 ٢٥ 19 ٢٦ 20 ٢٧ 21 ٢٨ 22 ٢٩ 23 ٣٠
24 ٠١ 25 ٠٢ 26 ٠٣ 27 ٠٤ 28 ٠٥ 29 ٠٦ 30 ٠٧
31 ٠٨ 1 2 3 4 5 6
نهاية العام الدراسي لتلامذة الروضات والحلقة الأولى

مواقع صديقة

Image Caption

جمعية المبرات الخيرية

Image Caption

مؤسسة امل التربوية

Image Caption

مدارس الامداد الخيرية الاسلامية

Image Caption

المركز الاسلامي للتوجيه و التعليم العالي

Image Caption

وزارة التربية والتعليم العالي

Image Caption

جمعية التعليم الديني الاسلامي

Homeمن نحنمنح المتفوقينعرض العناصر حسب علامة : جمعية من أحياها