جاري تحميل الصفحة
مدارس المهدي
مساحة التلامذة - شمسطار

مساحة التلامذة - شمسطار (6)

الثلاثاء, 08 تشرين2/نوفمبر 2016 13:50

عطر الزيزفون

كتبه

مباراة القصة القصيرة                                          المهدي (ع) -شمسطار

الفئة: التاسع والحلقة الرابعة

الاسم: نرجس حمية

الصف: التاسع

 

عطر الزيزفون

شجرة الزيزفون لا تزال هناك، زهرها أصفر، وعطرها أخّاذ، منثور على وهاد بلدة " الفاكهة" البقاعية، يرافق نسيمات الصباح إلى أهالي البلدة وهم ينطلقون إلى أرزاقهم، فتطيب الصباحات وتنشرح الصدور.

هناك بين الصخور وتحت السنديان وقرب الجداول تواجدا دوما. كانا يمتطيان صهوة النهار ويمضيان في دروب القرية وروابيها يلاعبان الفراشات ويرعيان أعشاش الطيور، يسلمان على الرعاة والمزارعين ويطاردان الغربان السوداء، حتى يأتيا على النهار، فيلوحان للشمس ولقرصها البرتقالي يغيب في سهل البقاع الخيّر.

ولا تلبث سويعات الفراق أن تنتهي مع خيوط النور الأولى، فآذان الفجر ساعة " إيليا" التي لا تخطئ والتي تؤذن بلقاء قريب مع صديق الروح "علي" ليبدأ مشوار جديد ويبدأ تسلّق شعاع الشمس الى الحقيقة.

يوما بعد يوم، نما الحب بينهما وربا وشبّ وشبّا معه، حتى غدوا مثالا يضرب في الإخلاص والوفاء والصداقة؛ ما يحب علي يعشق إيليا وما يؤمن به إيليا يوقن به علي، وحيثما تواجد أحدهما تواجد الآخر؛ خبُرا معا كل شيء وعاشا آلاما واحدة وتذوقا مرارات واحدة وضحكا ملء الأهداب لأحداث واحدة، وركنا الى الطبيعة، ركنا اليها حتى توحدا معها؛ ففيهما طهر مطر نيسان، ونقاء زهر اللوز، ووسامة طاقات الورد، وطيب الزيزفون، ووضوح الشمس.

وفي يوم انتهت أحلام الوصال، وتهاوت صروح اللقاءات، هام علي على وجهه وانطلق نحو جرود البلدة فارّا من واقع جديد، واقع لا يسجل في يومياته "إيليا"، ولكم كان مخطئا في تحديد وجهته، فكل ذرة تراب موطنا لهما وكل شجرة أسرة وكل صخرة حضن، وكل خطوة حكاية.

لم يفلح في تغييب ذكراه فبكى بكاء مرّا، بكى على مرأى من شواهد الزمن التي لم تلمه، وكان لبكائه نشيجا موجعا حملته الريح إلى كل الأوفياء، عاتبه: "إلى بيروت؟ وماذا في بيروت؟" ولامه: " كيف تتركني وكيف لا تودعني؟" وبرر له:" لك الفخر جنديا في جيش بلادنا".

في ذلك اليوم عاد خاويا من إنجازات وخاليًا من حدث، عاد وحيدًا يسمع لأنفاسه نغمًا شجيًّا ولقلبه دقات حزينة، وللنسيم بحة ناي من قصب، وكان لخطواته الثقيلة وقع رهيب لإنسان وحيد يعيش عزلة مرة وهجرانا مؤلمًا.

مرت الأيام وئيدة سقيمة، وضاق مسرح علي وإيليا لينحسر في شاشة زرقاء صغيرة، يتبادلان عبرها الرسائل القصيرة والوجوه الضاحكة، شاشة لا تتسع لأحلامهما وليست بحجم عالمهما الحقيقي، وعندما يضيق علي بهذا التواصل الجاف يتوجه الى مراتع طفولتهما عله يحظى بطيف إيليا، لكن لم يكن لرحلاته إلى البراري طعمها المعهود ولذتها الحلوة بل كانت مثار ذكريات وأشجان.

ذات يوم ألفى كل شيء متغيرا، الطبيعة واجمة وسكون بارد يلف المكان، لا دفء حياة ولا سريان روح في معالم الكون، التفت الى السماء فإذا بغمامات سوداء تحجب الشمس. ما الأمر؟ أين موسيقى الروابي لا يسمعها؟ لمَ لم تعزف الريح نشيد الخلود؟ التفت شمالا فرأى سحبا من الدخان الاسود وشم رائحة حقد وضغينة وسمع أصوات كذب وافتراءات، مد نظره الى الحدود السورية، فلاحت راية سوداء بلون الموت الزؤام، تتخذ شعار الوجود ستارا لزيفها ونفاقها.

انغرزت قدماه في الأرض رغم علمه بهجوم وشيك لأعداء الإسلام والإنسانية وتدفق الدم في شرايينه، لا، لن يبرح هذا المكان، هذه مملكته وإيليا، سيواجه ويقاوم ولو بقي وحيدا.

هبط الليل وتربع بدر الفاكهة في وسط السماء، ساكبا خيوط اللجين على نواحي البلدة، حارسا سكانها، تاليا التمائم لأطفالها.

قعد علي على الصخرة، وراح يترقب، يرهف السمع، لا شيء سوى موسيقى صرار الليل ,ولكن فجأة أحس بيد تمسك كتفه، التفّ بسرعة وجهز قبضته ليلكم المجهول الذي بادره:" لا تخف، أنا هنا لحمايتكم، عد الى منزلك ونم مطمئنا"

قفل علي راجعا، اجتاز الحقول ومر بين المنازل الآهلة، الآمنة المزنرة بالياسمين الناصع، المحروسة بالعذراء مريم عليها السلام, وصل الى البيت، لكنه لم ينم، تزاحمت الأفكار في رأسه، هاجمته الهواجس، واجتاحه القلق، وعندما لامس الكرى أجفانه سمع دوي انفجارات وإطلاق رصاص كثيف مزق سكون السحر وأوقظ العيون الهانئة.

هب علي الى خزانته، تناول سلاحه وانطلق نحو التلال وتبعه أبناء البلدة شبانا وشيبا ونساء، يحمون موطنهم ويدافعون عن انفسهم.

وصل الى تخوم البلدة وراح يبحث عن موقع مناسب للتصدي، وهو العليم بهذه المنطقة، فتوجه نحو شجرة الزيزفون وراح يترصد أقرب المهاجمين، عن يمينه ليوث حزب الله يشكلون حصنا منيعا في وجه الغزاة وعن يساره عناصر من الجيش اللبناني يزودون عن الأرض بكل ما أوتوا.

احتدمت المعركة وحدق الخطر بالتكفيريين، فازدادت وحشيتهم وأنشبوا مخالبهم في الأرض يحرقونها ويطلقون آخر رصاصاتهم الواهنة في محاولة يائسة للصمود، ولكن نيران اللبنانيين طالتهم في أوكار جبنهم، فتهاووا جيفا نتنة.

في غمرة انشغاله وتصديه، سمع علي أنة خفيفة، توجه نحو مصدر الصوت، وكانت خيوط النور بدأت تسري في الطبيعة,فإذا بجندي مستلق الى صخرة والدماء تغطي وجهه، هم علي بحمله الى فريق الإسعاف الحربي لكنه ابى وتشبث بالأرض وجذب علي نحوه، استشعر علي قوته، فتأكد من سلامته ومن بساطة جرحه، جذبه أكثر حتى سمع انفاسه، وهمس في أذنه : اشتقت لك يا علي"

-  إيليا؟

- نعم، إيليا، كنت واثقا أني سأجدك قرب شجرة الزيزفون، لذلك توجهت الى هنا مباشرة، لا تقلق، جرحي بسيط وقد مسحته بالتراب كما كنا نفعل بلسعات الدبابير.

تعانقا مطولا وضحكا وتنشقا عطر الزيزفون، وكانت الشمس قد بدأت تظهر لتعلن للعالم انتصار لبنان وهزيمة التكفيريين.

 عاد الصديقان وعاد الأهالي إلى بلدتهم مهللين، ليبدأوا نهارا جديدا مكللا بالبيلسان، عادوا ليجدوا كل شيء مكانه,ولكل شيء مكانته، المسجد هنا، والعذراء وطفلها بخير، وقهوة الصباح، وحقائب الطلبة ومحراث الفلاح...كل شيء بأمان.

 

الثلاثاء, 08 تشرين2/نوفمبر 2016 13:54

وانتصر حبّ الجهاد...

كتبه

باسمه تعالى

المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم  مباراة الرضوان (6)          وحدة اللغة العربية

مدارس المهدي (ع) شمسطار                              العام الدراسي 2015\2016

فئة القصة القصيرة ( الفئة الثانية)

الاسم : فاطمة علي القرصيفي

الصفّ: التاسع الأساسي

 

وانتصر حبّ الجهاد...

تنفّس الصبح، فتناثر رذاذ الضباب العابق بلآلئ من لجين، ووشّح المكان والزمان، ثمّ نفخ على زجاج النافذة ليحجب الرؤية عن علي الّذي كان يحاول استطلاع أحوال الطقس في الخارج، مسح زجاج النافذة ليكشف عن مشهد حافل بحكايا الصمت، وتنهّدات الفرج. ..

عندها، أسرع إلى غرفة والدته، اقترب منها، طبع قبلة على جبينها، فتحت عينيها الذابلتين، فبادرها بتحيّة الصباح، وبعد دردشة واطمئنان، أخذا يستعدّان للتوجّه إلى المشفى.

وفي الطريق فوجئت الأمّ بالطبيعة البيضاء، فهناك طبقة من الثلج الناصع تغطّي أديم الأرض، والأشجار تلفّحت بردائها الأبيض وحنت رؤوسها خشوعًا لله. ..فما كان من عجلات السيّارة إلّا أن تمشي الهوينا وتتأنّى في سيرها درأً لمخاطر الإنزلاق على اللّوح الأبيض.

بعد مضي ساعة من الوقت، كانا في قلب المشفى، حيث استلقت الوالدة على سرير العلاج في قسم غسيل الكلى. وعلي يغمرها بنظرات الحبّ والاهتمام، وبعبارات التشجيع والتفاؤل الممزوجة بنكهة الفكاهة والدعابة، محاولًا إخراجها من دائرة الألم وشبح المرض وأوجاعه، أمّا الأم فراحت تلتهم بعينيها لطافة ابنها وتغمره بفيضٍ من حبّها وحنانها.

ما أروعه من مشهد! فقد شدّ انتباه الحاضرين من الطاقم الطبيّ، ولفتهم برّ علي، وعمق حبّه لوالدته، فبدا نجما يتألق بجماله الهادئ وخفّة ظلّه، وحضوره الّلّافت... وكلّما حضر الشابّ وأمّه كلّما تكرّر المشهد، وازداد إعجاب الحاضرين بصاحب الكاريزما المحبّبة. ...وأكثر الموجودين إعجابًا كانت نور، تلك الممرّضة البارعة. ..

إنّها فتاة جميلة تتميّز بقامتها الهيفاء! لباسها الأبيض وحجابها الأنيق يضفيان عليها لمسة من الرزانة ممزوجة بنكهة الخفر المرصّع بجواهر الحياء والغنج واللّطافة! يجمّل محيّاها الوضّاح جفنان متدلّيان على عينين خضراوين كروضة سندسيّة، تشعّان بنور النباهة والذكاء، ثغرها بسّام يعلوه أنف شامخ كشموخ الأرز، متواضع كسنابل الحنطة في موسم الجنى. أضف إلى ذلك طبعها الهادئ وصوتها الرخيم. ... فكانت عندما تقترب من مريضتها المفضّلة، يغضّ علي الطرف، ويشغل نفسه بهاتفه، إلّا أنّ كلماتها اللّطيفة تأبى إلّا أن تحبو على جدار قلبه الّذي شغف بحبّها وتعلّق بها. . أمّا هي فكانت تنتظر موعد علاج الحاجة أمّ عليّ كلّ أسبوع، كي يتسنّى لها رؤية ذاك الفارس الّذي استحوذ على تفكيرها، وتربّع على عرش قلبها النابض بعشق الجمال وحبّ الحياة.

وهكذا توالت الأيّام، وكبر الحبّ والهيام في قلبي الشابّة والشابّ، وكانت الأعين العاشقة تخطّ أبهى كلمات الوجد والوله، فلا حاجة لمداد الكلمات والمشافهة، ولا لقراطيس الرسائل المطبوعة بحبر اليراع، أو أزرار الهواتف ووسائل الاتّصال.

إلّا أنّ نور كانت تحجز في قلبها مكانًا لأمّ عليّ، يحتّم عليها متابعة علاج المريضة والاهتمام بها وتأمين دوائها أثناء التحاق ولدها المجاهد بمكان عمله الجهاديّ.

وفي يوم مفصليّ، كان الاعتراف سيّد الموقف! في ذلك اليوم الّذي كان محطّة فاصلة تؤرّخ ليوم جديد حفر بماء الذهب على ذاكرة الزمن. فحينما فاتحها بموضوع الزواج، ترقرقت في عينيها دموع الفرح.. .. أمّا هو فأكّد عليها أخذ موعدٍ من أهلها لطلب يدها. لكنّها اشترطت عليه أن لا يلتحق بمعسكرات المواجهة مع العدوّ حينما يستدعي الأمر، ففوجئ بطلبها الأنانيّ هذا، وما كان منه إلّا أن قال لها : لا تخيّريني بين حبّين : حبّ الجهاد في سبيل الدين والأرض، وحبّك أنت، فإن لم أكن وفيًّا لأرضي وديني لن أكون وفيًّا وأهلًا لك. أتمنّى لك حياة ملؤها التوفيق والسداد. وداعًا يا نور. ...

مشى فارس الفوارس، وراح قلب نور معه، وعيناها تشيّعانه إلى جادّة الطريق، حيث امتدّ ظلّه على كفّ الشارع، إلى أن توارى خلف ارتعاش القهر، وألم الفراق، وقساوة الموقف الّذي هزّ بوقعه الأليم غير المتوقّع كيان نور فسرى تحت الجلد كأنّه سمّ أفعى محكم السريان في الشرايين والعروق. ...

وطويت رزنامة الأيّام، ونور يعتصر قلبها الحزن، فتحاول غسل الأسى بدموع عينيها الحزينتين، يسامرها في جوف اللّيل شبح الأنين والجوى، ولوعة الأرق المثقلة بوجع الفراق وطول الغياب. ...الأمر الّذي انعكس على يوميّاتها، فهمدت نار اندفاعها في آداء عملها، وتثاقلت خطاها في ذهابها وإيابها في ممرّات المستشفى وكأنّ عينًا فارغة صوبّت سهام الحسد عليها فسلبتها حركتها المكوكيّة الّتي لا تهدأ، وحيّويتها المضمّخة بأريج عطاء يفوح بحبّها لمن حولها وتفانيها في عملها الإنسانيّ. إلّا أنّ ابتسامتها كانت تعود إلى ربوع وجهها الملائكيّ مرّة في كلّ أسبوع عندما تغمر الحاجّة أمّ عليّ، تشتمّ فيها رائحة توأم روحها، فتشبعها اهتمامًا وحبًّا وعلاجًا. ...وهي بدورها تأنس بها وتدخل السكينة قلبها الضعيف، وتستكين حركة يديها المرتجفتين، فهي من رائحة فلذة الكبد وحشاشة الروح. ...

أمّا علي فكان من موقعه الميداني يهاتف شقيقته باستمرار، يتابع حالة والدته الصحّية المستقرة، ويتزوّد بجرعة من الاطمئنان والتفاؤل عندما يتهادى إلى مسمعه صوت والدته، فكأنّه شلّال دفّاق من الحنان والسكينة ينهمر عليه، فيغسل غبار الفرقة ، ويمنحه هدأة الروح وصفاء الطويّة. فكم كانت كلمة " الله يرضى عليك يا ابني. ....تترك أثرها الفاعل في نفسه وتجلّله بكساء الخشوع والروحانيّة أثناء سجوده في محراب الكون،  ويعطيه دفعًا من القوّة والحماسة والحصانة، فتجده بطل الميدان يسحق الأعداء ويخلّفهم وراءه على أرض المعركة صرعى مقطّعي الأوصال، محقّقًا النصر تلو النصر. ..

ذات صباح ربيعيّ مشمس، استفاقت نور على صوت أوبرا موسيقيّة تعزف أعذب الألحان. التفتت إلى النافذة وإذا بسرب صغير من الطيور يصطفّ على حافّة الشبّاك، يتراقص بفرح على وقع شدوها المترنّم في الأرجاء. عندها هبّت نور من سريرها مستبشرة، وكأنّ طاقة غريبة تسري في عروقها، اقتربت من نافذتها وهي تمشي خلسة متباطئة الخطوات خوفًا من أن تبرح الطيور المكان وتغادر إلى فضائها الرحب. ...فكان لها ما أرادت. وبعد أن كحّلت عينيها بروعة المشهد، رفعت يديها إلى السماء وقالت: “اللّهمّ أخرج هذه الغيمة السوداء من قلبي، واحم كل المجاهدين وانصرهم، وفرّج همّي برؤية علي سليمًا معافى ".. .. ثمّ جهّزت نفسها واتّجهت إلى عملها بقلب مطمئنّ وروح متفائلة، فدعاؤها كان الدواء لكلّ داء. ..

وما هي إلّا دقائق معدودة حتّى التحقت نور بفريق العمل الطبيّ الّذي كان قد باشر بإجراء عمليّة جراحيّة لمريض حالته خطرة، فعمِل الطبيب على استئصال رصاصة كانت قد استقرّت في الكتف الأيسر قريبًا من قلب المريض، بعد أن عمل بإحكام على قصّ جزءٍ من الشاش الأبيض الّذي كان يغطي جسده الممزّق ، ورجله اليمنى، فالجريح قبل وصوله إلى المستشفى الّتي تعمل فيه نور كان قد خضع لعلاج واستئصال رصاصة من رأسه في المستشفى الميدانيّ التابع لخليّتهم، لهذا السبب كان معصوب العينين ملفوف الرأس ، لا يظهر من وجهه إلا أنفه وفمه، وجزءًا من لحيته الغضّة.

-للّه درّه من بطل! فكما كان يتحدّى الأعداء بإقدامه وشجاعته، ويتحدّى ساحة الوغى في انتصاراته الباهرة، كذلك الأمر في مواجهته للموت، كان صنديدًا جسورًا واجه الموت بكبرياء وعزّه، فهزمه، واستلقى على سريره ملكًا في جناح الأمراض الصدريّة، كأنّه لم يخسر كميّة من الدماء، ولا خضع للتوّ لعمليّة خطرة.

في اليوم التالي، كانت نور تتفقّد المرضى، بصحبة زميلتها الّتي تعطي الدواء وتغيّر الأمصال، وتستمع إلى شكواهم. دخلت غرفة البطل، ألقت عليه التحية وقالت: " كيف حال مريضنا اليوم؟" فلم تكد نور تنهي كلامها حتى استدار بسرعة كاد من خلالها أن يفلت المصل من يديه، متسائلًا: " نور؟! أهذه أنت يا نور؟! فما كان من نور إلّا أن رجعت خطوتين إلى الوراء، وأستندت إلى الحائط، خوفًا من وقوعها على الأرض، فقد كاد يغمى عليها. ..وقالت بصوتٍ متقطّع: “علي حبيبي! يا روحي ومهجتي. ..حمدًا لله على سلامتك يا ساكن القلب والوجدان. عفوك حبيبي. سامحني. ..

-    وهل يخاصم المرء نفسه يا نور؟! أنت قلبي وروحي الّتي بين جنبيّ. ..أنت رفيقة الدرب وتوأم الروح. ....

 

الإثنين, 08 شباط/فبراير 2016 09:54

وانكسر القيد

كتبه

لملم الليل خطوط الكحل من بين أهداب القرية الوادعة، وسحب بُرده القاتم، فارشا سكونا ازرق خاشعا، قبل ان ينسال شعاع التبر الخالص، وينثر عبقا قدسيا من قارورة عطر نادرة.

أفاقت المآذن، وباحت بسر اسرار الكون، فتوضّأ الياسمين الطاهر بطلّ الإله، وآنست الدروب بخطى المصلين، وقد حيوا على الفلاح، ركعوا وسجدوا وجددوا في صبيحتهم عهدا وعقدا وبيعة لا تزول. .. وكان الصباح.

مدت سيدة النهار شعاع الحياة، فسرى الدفء في نسغ الطبيعة، وسار قانون الوجود على سكة الايام.

توجه ابو حسين نحو حقول التبغ، وزهرة الى الجامعة في صيدا، وحسين في مكان ما من هذه الارض الطيبة. وسيدة الدار تماثل سيدة النهار في بث الحياة في أرجاء المنزل، أما الطفل عباس فكان في دنيا عامرة تفوق عوالم الآخرين فتنة وروعة، يزرع البيت حركة ونشاطا، يدخل ويخرج يدخل ويخرج، يقصد المرآب، صندوق المعدات، يعود. ..يعود شاهرا مسدسا خشبيا، تبتسم الأم له، وتعود لتكوير العجين بطريقة منتظمة.

لم تكن الأم لتشعر بالضجر وعباس يرافقها في كل ما تنجز...كل ما تنجز، حتى إعداد الخبز؛ وتحت الزيتونة الدهرية جلسا، كانت تمدّ كرات العجين برفق وتربّت على وجهها البضّ فتستحيل بدورا بيضاء، وعلى وقع كفيها على العجين، كانت اسئلة عباس تتقاطر وتطال كل شيء.

- لمن كل هذه الأرغفة يا امي؟

- إنها للنسور، سنضع قسما منها على الحائط الحجري لتأتي وتأخذه فيما بعد؛ النسور لا تنزل الى الأرض دوما؛ إنها تحلق في الأعالي. ..فوق الدنيا.

- آه ليتني نسرا!

ابتسمت الأم ابتسامة مطمئنة، وقرأت في عيني طفلها شوقا حقيقيا للحرية والانطلاق.

أخمدت أمّ حسين نار الموقد، وتوجهت نحو الحقول بحزمة من الأرغفة الشقراء الساخنة، مشيا وقد رافقتهما رائحة التراب الندي  تعبق في الحقول، وهناك اقتعدوا الأرض الكريمة المعطاء، وأكلوا من خيراتها وكان طنين حسين من حولهما لا يهدأ؛ يطلق  زخات من الطلقات باتجاه التلة، طلقات متوالية تخفت مع تهالك أنفاسه الصغيرة لتعود أقوى مما كانت.

عاد الفلاحون الى منازلهم، وعادت الشمس إلى خبائها، وحرس سماء الخيام هلال فضي، وهزت نجماتها مهود الأطفال فناموا قريري الأعين؛ سكون لم يدم طويلا؛ فقد مزقت هدأة الليل طلقات متوالية، مصادر النيران متعددة، تخمد وتنشط من جديد، الطائرات تجوب السماء وتحول الليل الى نهار بما تلقيه من قنابل مضيئة، وتبعث الرعب في نفوس الآمنين بغاراتها الوهمية.

ارتفعت الأكف الخاشعة، وابتهلت الحناجر، وتوجهت المآقي الى الله الواحد، وفي القلب رجاء بسلامة المقاومين ومن بينهم حسين. هدأت النيران ولم يهدأ بال أم حسين؛ كانت تتضرع إلى الله وتطلب العون  ليسلم الجميع كما في كل مرة.

ارتحلت جحافل الليل متثاقلة، ليحل الصباح حاملا معه واقعا جديدا مريرا، وليعلم الجميع أن حسينا وقع في الأسر.

كان وقع الخبر عظيما على الجميع فكيف لنسر محلق في الأعالي ان يُقيد؟ وأيّ أصفاد تكبّل روحا حرة؟ وأي سلاسل تحبس الإرادة والعزم؟

غمر الأسى قلب الأم؛ وهي العالمة بأحوال الأسرى وممارسات الغاصب، وخيم على دارها وجوم حائر، وضاعت نظراتها في الأفق، لعل نسيم الوطن يحمل عطره ويبعد فكرة التعذيب، لكن هيهات...

كانت الشتائم والإهانات المرحلة الاولى من مراحل التعذيب، فكان المحقق يكيل السباب لحسين وينال من نهجه المقاوم، لكن الفتى كان صلبا جدا؛ فلم يطاطئ رأسه، ولم يبدِ ضعفا، ما أثار المحقق، فامعن فيه ضربا ولكما وركلا، ورمى به في زنزانة صغيرة ضيقة جدرانها السوداء تزيدها ضيقا ووحشة.

توالت أيام وليال ذاق حسين خلالها كل الوان التعذيب، ولمس وحشية الغاصب المحتل وبربرية افعاله؛ ما زاده تمسكا بنهج المقاومة والحفاظ على الأرض وإن كانت الايام تمر رتيبة واهنة، والاحلام حبيسة زنزانة قاتمة، والقاضي مجرم، والسجين صاحب قضية حقة، والجرم هو الدفاع عن الوطن، اجل الوطن.  .. الوطن يستحق ثلاثا من سني العزلة والقهر والتعذيب، وأهل الوطن جديرون بحياة كريمة؛ لذلك لم يهن حسين، ولم يضعف. عزيمته تلك كانت تشعل صمودا في قلوب الأسرى، حديثه سلوى في الليالي الحالكة، وصلاته مواساة في الأسحار، وكلما حاول الضعف غزو القلوب، استحضر الإمام السجاد علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام، فيشرق الأمل ويورق الرجاء ليزهر أماني خضراء.

ذات يوم ركل احد الغاصبين باب السجن بشدة وصاح بأعلى صوته: حسين الى الانفرادي!

بات حسين يشكل خطرا بتأليبه الاسرى وتشجيعهم على الصمود والصبر ونصرة المقاومين في الخارج؛ إنه يحدث تغييرا خطيرا، يؤم المصلين، يواسيهم، يتلو الاذكار ويرددون، يحث أخوته على الصبر والثبات، يداوي جراحاتهم، يضمد آثار التعذيب ويستحضر بطولاته في سوح القتال فيشحذ الهمم وتمتلأ الأوداج عزمًا.

وبعزلة حسين عن رفاقه قلت مخالفاته وكانت المكافأة: الشمس.

إنها السماء اللازوردية سماء الوطن الرحبة؛ اشتاق الى سماء الوطن وإن كانت ستبدو مربعات صغيرة بفعل الحاجز الحديدي؛ بصيص الأمل في عينيه يلغي كل الحواجز، ويرسم ابتسامة مطمئنة واثقة، يبتسم لندف الغمام الابيض، للنسور تحلق في الأعالي، لأريج الزعتر البري في حقول الخيام وعندما استذكر الحقول، استحضر الأهل فإذا بصورهم تتراءى له على صفحة الغيم. .هذا أبو حسين بشاربيه الأبيين، وتجاعيده الصامدة، هذه زهرة، وهذا عباس، وهذه الأم الرؤوم، بعينيها الدامعتين بعباءة بيضاء، ووشاح من نور، وها هو يسمع دعاءها وابتهالاتها، أغمض عينيه واجتاحه الاشتياق لضمة من الذراعين الرحيمين...وتحررت دمعة حرى من بين أهدابه المتشابكة لتخط رسالة بحبر النجيع. .أمي الحبيبة. ..لجبينك الوضاء أنسج عسجد الشمس تاجا للعز. ..لهامتك المرفوعة أطرّز زرقة السماء وشاحا للفخر. ..للأنامل المتعبة أجعل الشوك بلسما. ..وما الأصفاد وما السلاسل. ..في سبيل عينيك يا أمي...

نامت عيون الشمس التي أشعلت الحنين، ولم تنم عين حسين، الألم باد على محياه، وهواجس تنكيل الاعداء بأسرته تراوده دوما، كان ليله سهدا وأرقا وهواجس، وإن لامست الاغفاءة أهدابه، طردها كابوس الاحتلال ووحشية زبانيته، فيشعل نار القلق في قلبه، ويستحضر كل أفراد أسرته ويجعلهم تحت مرمى العدو، فينكل بهم ويخضعهم ؛ يراهم راكعين، أيديهم خلف ظهورهم. .. و... يفتح عينيه طاردا اشباح الذل، لاجئا الى من لازمه دوما، وكان خير ناصر وخير معين، تناول وريقات صفراء مهترئة وتوجه الى الله."..أتيتك أرجو عظيم عفوك الذي عفوت به عن الخاطئين. ..فيا من رحمته واسعة وعفوه عظيم. ..هب لي يا إلهي فرجا بالقدرة التي تحيي بها ميت البلاد ولا تهلكني غما حتى تستجيب لي وتعرفني الإجابة في دعائي وأذقني طعم العافية الى منتهى اجلي ولا تشمت بي عدوّي ولا تسلطه علي ولا تمكنه من عنقي اللهم إني اعوذ بك فأعذني واستجير بك فأجرني واسترزقك فارزقني واتوكل عليك فاكفني واستنصرك على عدوي فانصرني واستعين..."

كان صوته ممزوجا بنشيجه، والدموع تغسل وجهه وتحط على الكلمات، تسارعت نبضات قلبه وعلا زفيره، وأحس أن جدران زنزانته تضيق أكثر فأكثر، وتزداد حلوكًا موحشًا، رافقه حتى ساعات الصباح، عندما تسلل خيط النور من رحم الليل.

كان صباحًا غريبًا، سمع حسين جلبة في الخارج، وآليات العدو تتحرك بعنف، أصوات وصخب. أيجهز العدو علينا؟ أيضيف إلى سجله الإجرامي مجزرة جديدة؟ تتعالى الأصوات، ويرتفع الصياح، وتقترب الخطوات من باب الزنزانة. أهي النهاية؟ أأكون شهيدا في زنزانة؟ أتوق الى الشهادة، لكن ليس في هذا المكان...يسمع ضربا متواترا متواصلا على باب زنزانته، يقف الى الحائط ويتهيّأ لاستقبال مصيره. .. لكن مهلا. ..ماذا يسمع؟ من بين الصخب والضجيج تناهى الى مسمعه نداء " الله اكبر"، فأزهر الأمل في عينيه، ومع " الله أكبر" انكسر القيد وانطلق النسر محلّقا.

في الخارج عرس للحرية، يزفّه نوار بأزاهيره، فتزغرد المآذن مهللة بنداء الحق الأزلي، وتصفّق الكنائس ناثرة صدى المحبة،  ويمضي القرويون في الدروب المعشوشبة. .. يحنّون  أكفهم بثرى النصر...  فهم قوم لا يتركون أسراهم. ..

سجى صبحي الحاج حسن

التاسع الأساسي فرنسي

2012-2013

 

الإثنين, 08 شباط/فبراير 2016 10:01

عطر الزيزفون

كتبه

   شجرة الزيزفون لا تزال هناك، زهرها أصفر، وعطرها أخّاذ، منثور على وهاد بلدة " الفاكهة" البقاعية، يرافق نسيمات الصباح إلى أهالي البلدة وهم ينطلقون إلى أرزاقهم، فتطيب الصباحات وتنشرح الصدور.

هناك بين الصخور وتحت السنديان وقرب الجداول تواجدا دوما. كانا يمتطيان صهوة النهار ويمضيان في دروب القرية وروابيها يلاعبان الفراشات ويرعيان أعشاش الطيور، يسلمان على الرعاة والمزارعين ويطاردان الغربان السوداء، حتى يأتيا على النهار، فيلوحان للشمس ولقرصها البرتقالي يغيب في سهل البقاع الخيّر.

ولا تلبث سويعات الفراق أن تنتهي مع خيوط النور الأولى، فآذان الفجر ساعة "إيليا" التي لا تخطئ والتي تؤذن بلقاء قريب مع صديق الروح "علي" ليبدأ مشوار جديد ويبدأ تسلّق شعاع الشمس الى الحقيقة.

يوما بعد يوم، نما الحب بينهما وربا وشبّ وشبّا معه، حتى غدوا مثالا يضرب في الإخلاص والوفاء والصداقة؛ ما يحب علي يعشق إيليا وما يؤمن به إيليا يوقن به علي، وحيثما تواجد أحدهما تواجد الآخر؛ خبُرا معا كل شيء وعاشا آلاما واحدة وتذوقا مرارات واحدة وضحكا ملء الأهداب لأحداث واحدة، وركنا الى الطبيعة، ركنا اليها حتى توحدا معها؛ ففيهما طهر مطر نيسان، ونقاء زهر اللوز، ووسامة طاقات الورد، وطيب الزيزفون، ووضوح الشمس.

وفي يوم انتهت أحلام الوصال، وتهاوت صروح اللقاءات، هام علي على وجهه وانطلق نحو جرود البلدة فارّا من واقع جديد، واقع لا يسجل في يومياته "إيليا"، ولكم كان مخطئا في تحديد وجهته، فكل ذرة تراب موطنا لهما وكل شجرة أسرة وكل صخرة حضن، وكل خطوة حكاية.

لم يفلح في تغييب ذكراه فبكى بكاء مرّا، بكى على مرأى من شواهد الزمن التي لم تلمه، وكان لبكائه نشيجا موجعا حملته الريح إلى كل الأوفياء، عاتبه: "إلى بيروت؟ وماذا في بيروت؟" ولامه: " كيف تتركني وكيف لا تودعني؟" وبرر له: "لك الفخر جنديا في جيش بلادنا".

في ذلك اليوم عاد خاويا من إنجازات وخاليًا من حدث، عاد وحيدًا يسمع لأنفاسه نغمًا شجيًّا ولقلبه دقات حزينة، وللنسيم بحة ناي من قصب، وكان لخطواته الثقيلة وقع رهيب لإنسان وحيد يعيش عزلة مرة وهجرانا مؤلمًا.

مرت الأيام وئيدة سقيمة، وضاق مسرح علي وإيليا لينحسر في شاشة زرقاء صغيرة، يتبادلان عبرها الرسائل القصيرة والوجوه الضاحكة، شاشة لا تتسع لأحلامهما وليست بحجم عالمهما الحقيقي، وعندما يضيق علي بهذا التواصل الجاف يتوجه الى مراتع طفولتهما عله يحظى بطيف إيليا، لكن لم يكن لرحلاته إلى البراري طعمها المعهود ولذتها الحلوة بل كانت مثار ذكريات وأشجان.

ذات يوم ألقى كل شيء متغيرا، الطبيعة واجمة وسكون بارد يلف المكان، لا دفء حياة ولا سريان روح في معالم الكون، التفت الى السماء فإذا بغمامات سوداء تحجب الشمس. ما الأمر؟ أين موسيقى الروابي لا يسمعها؟ لمَ لم تعزف الريح نشيد الخلود؟ التفت شمالا فرأى سحبا من الدخان الاسود وشم رائحة حقد وضغينة وسمع أصوات كذب وافتراءات، مد نظره الى الحدود السورية، فلاحت راية سوداء بلون الموت الزؤام، تتخذ شعار الوجود ستارا لزيفها ونفاقها.

انغرزت قدماه في الأرض رغم علمه بهجوم وشيك لأعداء الإسلام والإنسانية وتدفق الدم في شرايينه، لا، لن يبرح هذا المكان، هذه مملكته وإيليا، سيواجه ويقاوم ولو بقي وحيدا.

هبط الليل وتربع بدر الفاكهة في وسط السماء، ساكبا خيوط اللجين على نواحي البلدة، حارسا سكانها، تاليا التمائم لأطفالها.

قعد علي على الصخرة، وراح يترقب، يرهف السمع، لا شيء سوى موسيقى صرار الليل، ولكن فجأة أحس بيد تمسك كتفه، التفّ بسرعة وجهز قبضته ليلكم المجهول الذي بادره: "لا تخف، أنا هنا لحمايتكم، عد الى منزلك ونم مطمئنا".

قفل علي راجعا، اجتاز الحقول ومر بين المنازل الآهلة، الآمنة المزنرة بالياسمين الناصع، المحروسة بالعذراء مريم عليها السلام، وصل الى البيت، لكنه لم ينم، تزاحمت الأفكار في رأسه، هاجمته الهواجس، واجتاحه القلق، وعندما لامس الكرى أجفانه سمع دوي انفجارات وإطلاق رصاص كثيف مزق سكون السحر وأوقظ العيون الهانئة.

هب علي الى خزانته، تناول سلاحه وانطلق نحو التلال وتبعه أبناء البلدة شبانا وشيبا ونساء، يحمون موطنهم ويدافعون عن انفسهم.

وصل الى تخوم البلدة وراح يبحث عن موقع مناسب للتصدي، وهو العليم بهذه المنطقة، فتوجه نحو شجرة الزيزفون وراح يترصد أقرب المهاجمين، عن يمينه ليوث حزب الله يشكلون حصنا منيعا في وجه الغزاة وعن يساره عناصر من الجيش اللبناني يزودون عن الأرض بكل ما أوتوا.

احتدمت المعركة وحدق الخطر بالتكفيريين، فازدادت وحشيتهم وأنشبوا مخالبهم في الأرض يحرقونها ويطلقون آخر رصاصاتهم الواهنة في محاولة يائسة للصمود، ولكن نيران اللبنانيين طالتهم في أوكار جبنهم، فتهاووا جيفا نتنة.

في غمرة انشغاله وتصديه، سمع علي أنة خفيفة، توجه نحو مصدر الصوت، وكانت خيوط النور بدأت تسري في الطبيعة، فإذا بجندي مستلق الى صخرة والدماء تغطي وجهه، هم علي بحمله الى فريق الإسعاف الحربي لكنه ابى وتشبث بالأرض وجذب علي نحوه، استشعر علي قوته، فتأكد من سلامته ومن بساطة جرحه، جذبه أكثر حتى سمع انفاسه، وهمس في أذنه : اشتقت لك يا علي"

-         إيليا؟

-         نعم، إيليا، كنت واثقا أني سأجدك قرب شجرة الزيزفون، لذلك توجهت الى هنا مباشرة، لا تقلق، جرحي بسيط وقد مسحته بالتراب كما كنا نفعل بلسعات الدبابير.

تعانقا مطولا وضحكا وتنشقا عطر الزيزفون، وكانت الشمس قد بدأت تظهر لتعلن للعالم انتصار لبنان وهزيمة التكفيريين.

 عاد الصديقان وعاد الأهالي إلى بلدتهم مهللين، ليبدأوا نهارا جديدا مكللا بالبيلسان، عادوا ليجدوا كل شيء مكانه، ولكل شيء مكانته، المسجد هنا، والعذراء وطفلها بخير، وقهوة الصباح، وحقائب الطلبة ومحراث الفلاح. ..كل شيء بأمان.

 

مباراة القصة القصيرة

الفئة: التاسع والحلقة الرابعة

الاسم: نرجس حمية

الصف: التاسع

 

الإثنين, 08 شباط/فبراير 2016 09:47

وعاد...

كتبه

- قصة واقعية

- مع اختتام فصول هذه القصة كان القدر يخطّ قصة أخرى؛أصيب أبو جواد في أثناء قيامه بواجبه الجهادي.

 

          هناك ... حيث تعانق ذرى المجد لازورد السماء ... حيث يبتهل أرز العلى في صلاته الأزلية... حيث تخشع الوديان في محاريب السكون وترتفع ترانيم العز فوق هامات الأبطال ...هناك لبنان.

لبنان عرين الأبطال، سفر أمجاد، في صفحاته سطور عز ورفعة وإباء، وأسماء لا تموت، تحمل أخبارها الرياح، وإليكم قصة خالدة سردتها لي يوما ....

فاستهلّت قصّها بصراخ أحدهم مستبشراً:

-         لقد ولد! لقد ولد! هكذا أخبرني الطبيب!

-         هل أنت متأكد ؟! هلاّ تتأكد من ذلك؟

تلعثم لبرهة ومن ثمّ استرسل قائلاً: "هل ..هو جميل، أهو بصحة جيدة، ما لون بشرته...هل ..هل..؟؟" ومن فرط شوقه لم يكد يكمل كلامه، وهرع يبحث عن الغرفة التي سيحظى فيها بطفله الّذي انتظره لأشهر عدّة، وما عاد يطيق فراقه، ولو لمدة وجيزة من الوقت. وبفعل سحر الحبِّ والحنان. أخذ -وكأنه البرق- يقرع باب كل غرفة ويفتحه على مصرعيه، وكذا ظلَّ حتى أرشده الفؤاد الولهان إلى حجرة علا فيها صوت البكاء والصراخ، وصل أخيراً إلى هدفه وبابتسامة ساكنة ارتسمت على ثغره، سأل القيّم على المكان "أين أجد الطفل علي؟". فأجاب المسؤول: "إنه في السرير رقم 33". ثمّ أتبع بالقول: "هنيئاً لك على هذا الطفل، ما أحسن وجهه". عندها همَّ أحمد بالبحث عن السرير، وإذ به يجده، حمل الطفل وأخذ يقبله، يضمه، ويداعبه حتى وصل إلى الغرفة حيث كنّا بالإنتظار، أذّن في أذنه اليمنى وما كاد يتمّ الإقامة باليسرى، حتى شرع هاتفه الخلوي بالرنين،  من بوسعه الإتصال الآن؟ امتعض الجميع من الإتصال  فقد كان له وقع غريب، ما عدا أحمد – المقاوم الذي ألف ساحات الوغى وملاحم النزال – لم ينزعج ، فكان يجيب بكل انفعال وحماس، وقد خرجت الكلمات من حلقه مختلطة بالحلاوة  التي بدت سائلةً على شفتيه. وكيف لا وقد حظيَ للتو بفرصة للعمر ليجدد أساطير "أبي جواد" التي لطالما سطّرتها سهول البقاع الغربي، وجبل صافي، والريحان...

عدنا إلى المنزل ولكن لم نعد للإحتفال أو لتقبّل التّبريكات والتّهاني بل عدنا لتوضيب أغراض وحاجيات أبي الذي كان على موعد مع الجبهة التي طالما أحبّها وعزّ عليه فراقها. حتّى أمّي كانت تغبطها لكثرة محبّة والدي لها. أنهى ترتيب حاجياته، حملها واتجه إلى باب الدّار. لم يسعه النظر إلينا فقد إكتشف الحزن الدفين الغائر في صدورنا. والّذي تجلّى في عيني أختي الّتي ما برحت تذرف الدمع الغزير، وكأنها المزن الممتلئة بماء الأسى ودمع الفراق. وصل إلى عتبة المنزل، فنادته أمي: "هنيئاً للثورة كم تعشقها، أكان عليَّ أن أُدعى بحرب أو أسمي الأولاد غزوة أو معركة كي تبقى ولو قليلاً في هذه الخربة". فضحك ضحكةً مدوية و مضى.

 بعد ذهابه، سيطر جو من الكآبة على المنزل وبدا وكأنه كهفٌ مهجور. ونحن ألفنا الظلمة دون "جسر البيت"..

 ركب أبي الباص وانطلق في رحلة العشق، إلى المكان الذي يكون فيه قريباً من السماء وعلى مشارف باب الجنة المدعو بالجهاد، الجهاد الصّادق في سبيل الله، والتضحية الأصيلة في سبيل مبادئه ودفاعاً عن البلاد من كل أصناف الغزاة.

 وصل أحمد إلى الجبهة في جنوب لبنان، جنوب لبنان الصامد في وجه الصهاينة العتاة. تنشق هواءه العليل  فأحس بالسعادة مع كل نسيم يداعب أفنان الأشجار، ومع كل خطوة واثقة خطا في الأرض التي إتخذها خليلة في زمن المصائب والويلات في زمن الأساطير والبطولات.

إلتحق أحمد بعمله العسكري المقاوم وقد تملكته روح الفداء والتضحية كما كل المقاومين الذين كانوا على أهبة الإستعداد للدفاع عن الوطن، واجتمعوا.... وما أجمل اللقاء، كانوا بأجمعهم أصحاباً، أمست ساحات الوغى مرتعهم وملعبهم، كانوا مستبشرين سعداء؛ فبعد طول الإنتظار التمّ شملهم وقد عُقد بالتضحية والفداء والسير على نهج سيد الشهداء.

بلّغ أحمد رفاقه المجاهدين بتقدم العدو في جنوب لبنان، عندها انطلقوا معاً إلى مارون الراس، وهناك أخذوا مواقعهم بكل حذر  وكانوا كالجبال بشموخهم، كالليوث في ضراوتهم، وتحمّلوا أعتى المواقف ولكن ظلّوا يرصدون كل تحرك. بعد أيام من المراقبة وفي النقطة نفسها، سمع أحمد صوتاً صادراً عن الجهاز اللاسلكي ينادي:

"يا أبا جواد هل تسمعني؟"، فردّ أحمد: "نعم ،أسمعك أخبرني ماذا تريد".

-         القيادة كلّفتكم بمهمة جديدة، أبشر يا أبا جواد فمن الممكن أن تتصدّوا للصهانية.

-         بشّرك الله بالخير ما أحلى هذا الخبر، وإلى أين المضي إن شاء الله ؟.

-         إلى قلب النزال، بيّضوا وجوهنا يا أبا حواد، هنيئاً لكم.

وإنتهت المكالمة، ولم يكد يطلع الضوء حتى إنطلق أبو جواد والمجاهدون إلى المكان المنشود، تمركزوا في مختلف الأماكن وسيطرت عليهم البهجة ممزوجة بالحماس والشغف، شغف القتال والنار !شغف البطولة والعنفوان...وبالفعل رصدوا طليعة الجيش الإسرائيلي واستعدوا لهم؛ "أحمد" قبض على الزناد بكل حزم، تفجرت الثورة في كيانه ولم يطق مشهد المعتدين في أرضه، وأرض أجداده الأولين.

سيطر الصمت، ساد الهدوء ولكن قد اعتلى عرشه صوت مريب، إنه هدوء ما قبل العاصفة وقد تخلّله تحرك يبعث على الريبة وفجأة صرخ أحدهم "أنظروا!!أنظروا إليهم ها هم " وبدأت المعركة ولم يعد يسمع سوى أزيز الرصاص وزمجرة القذائف، وللأسف لم يعد عنصر المفاجأة من صالح المقاومين، قد ركزوا في موقع حرج جداً، استمر إطلاق النار واستمرت المقاومة ...كان نصر المقاومين معلقاً بخيط، وقد تدخل الدعم الجوي الذي طلبه جنود الأعداء بعد الذعر الذي دب في قلوبهم من جبروت المقاومين وبأسهم. استمرّ أحمد ورفاق دربه بالقتال حتى ألحقوا أقسى الضربات بالعدو ولكن...وصلت مقاتلات العدو ورجمت منطقة المعركة بالقذائف وكأنَّ الأرض شبّت لهباً، فلم يُر شيئاً ما خلا سعير النار والرماد والغبار ولا شيء آخر، حتى المقاومين!!...

نحن كنّا في القرية منتظرين آملين، آملين أن العمل الذي تركنا والدنا من أجله هو مجرّد عمل روتيني بسيط، شغلَه عن عائلته، أهله، وعياله. ولكن لم يكُ كذلك البتّة ، فقد علمنا من خلال الفضائيات أن المعركة تلك كانت مقدّمة للحرب الشهيرة، حرب تموز،عند معرفتنا دبَّ الرعب في قلوبنا على أبينا، على أنفسنا، وعلى من حولنا.

من فورنا هجرنا المنزل بعد الإيعاز لنا بذلك، وقصدنا بيت جدي، الذي كان أكثر أمناً. وصلنا، دخلنا حيث استقبلتنا الجدة برحابة صدر وهتفت:"أهلاً وسهلاً! ما هذه المفاجأة السارة؟ "ولكننا لم نرتم في أحضانها كالعادة ،فاستطردت بكل تعجب قائلة: "ما بكم؟ وكأنّ الألوان قد خطفت من وجوهكم، ما سبب شحوبكم؟" فردت أختي وبتعجب فاق إستغراب الجدة بدرجاتٍ هتفت: "ولكن ألم تشاهدوا الأخبار؟!!"

-         لماذا نشاهد الأخبار هل من خطب ما؟

-         لا ليس هناك من خطب إلا أن تشظي معركة في الجنوب ستشعل المنطقة بأسرها.

-         ماذا يا إلهي وأحمد أين أحمد ؟!

عندها سكت الجميع وبدت أمارات الحزن على وجوههم.

نزلنا إلى الطابق الأرضي و لم نكد نمضي الليلة الأولى حتى بدأت أصوات الطائرات تهدر في قلوب الفزعين، تملّكنا الخوف على أبي؛ فقد مضى دونما ذكر المقاصد، رحل وتركنا في جزع مرتاعين، لم نعرف حاله، إذا كان ظمآناً أو مرتوياً، حياً أو ميتاً.

 بعد عدة أيام اتصل بنا الجار علي، إنه جارنا القريب:

-         والله لقد رأيته، رأيته أنا متأكد

-         لا تكذب قل الحقيقة.

-         أقسم بالله العظيم، رأيته، وسلّمت عليه  و....

هذا كان آخر ما قاله الجار قبل أن ينقطع الإتصال بفعل إنهمار القذائف والتشويش على الأراضي اللبنانية.

مرّ أسبوع على مكالمة الجار، وأمي ما انفكت تشعر بالقلق وعدم الإطمئنان ، فقلت لها: "يا أماه لا تجزعي فالجار قد طمأننا ما دهاك، ما خطبك؟".

-         وما أدراك مرَّ أسبوع، وفي أسبوع تكوّن الكون بأمره.

-         أنت تغالين، دعكِ من هذا الكلام

وما كدنا ننهي المحادثة حتى قاطعنا صوت قتح الباب قد فتحه العم حسن، أراد الإطمئنان لحالنا فكيف يترك أولاد أخيه لوحدهم يعانون مطبّات الحياة وويلات الحروب . بين التخبط واللّوعة، تتجاذبنا الأفكار وتحطُّنا الأمواج. إستقبلنا العم بعبارات الإستقبال ،إحتفينا به فقد مرَّ وقتٌ مذ رأيناه آخر مرّة ،إتكأ على الأريكة، وزفر بصوت عال ,مسح على رؤوسنا، أأصبحنا أيتامًا؟  هكذا قلنا في أنفسنا ولكن الموضوع كان أكبر من ذلك بكثير، طلب منّي الإقتراب منه ،فعلت ذلك، فنطق أخيراً وقال:"دعني أشم ريح والدك، المغيب" ترفرفت أجفان أمي، غُسِّلت بالدموع. استدعى والدتي أخبرها بما ظنَّت واعتقدت، صبّرها، قال:"إنا لله وإنا إليه راجعون".

 بالطبع لم تخبرنا أمي، لم يطب لها أن ترى أولادها في حالٍ يرثى لها، في حزنٍ أو في نواح، بكت وحيدة، قنطت من الحياة ولكنها تعزّت بالحوراء، وتصبّرت حتى لا تثير الشكوك.

ولّت حرب تموز. انتظرنا وانتظرنا ولم يعد أبي ..  في الليل أتى المعزّون، لم نكن نعلم بأنهم كذلك، ولكن أمي على دراية، انتظرنا والدي، لكنهم وأمي انتظروا الجثمان، كان بعضهم نعساً يغلق عيناً ويفتح أخرى ينظرون إلى أيتام أبي جواد، يتحسّرون، يخبئون دموعا، والبعض الآخر منهمك لإكرام الميت.

كانت قدسية الشهادة تلف المكان، وعبق العز يملأ القرية الصامدة المحرومة، وكان هم الجميع كيفية نقل الخبر للأبناء الأيتام، حركة غير اعتيادية، نظرات متساءلة، كيف سينشأ هؤلاء الصغار؟ من سيعوضهم حنان الأب؟

لقد تجاسر عمي وكفكف دمعه وتقدم من المنتظرين، ليبوح بسر الوالد الغائب، لكن القدر تولى ذلك عنه؛ فقد توقفت سيارة امام المنزل وترجّل منها رجل صنديد، لا، ليس من المعزين، إنّه والدي ...لقد عاد...

 

 محمد جواد حمية

التاسع الأساسي

الإثنين, 08 شباط/فبراير 2016 09:32

أنت روحي والحياة

كتبه

    كانت الشمس تحاول الاختباء وراء الأفق، عندما أخذت تلملم خصلها الذهبيّة عن كتف الوادي في بلدة تمنين، وتجمع ما بقي من أنسجتها المتلألئة على نافذة الحاجة زينب، ومع اختفاء آخر ومضة من لمعان الشمس الأرجوانيّة صرخت أمّ حسين بصوت يقطّع نياط الفؤاد قائلة: ارحمني يا ربّ! خفّف عني هذه الأوجاع، وخذني إلى عالم الملكوت علّ آلامي تهدأ. ارحمني ياربّ، واشفِ كلّ مريض، ومنّ عليّ بالشفاء أو بالموت، الرحمة، ارحمني يا ربّ".

خلال هذه المناجاة كان حسين يقف وراء الباب، يمسح الدموع من عينيه، يتوسّل بخشوع إلى الله، يردّد دعاء والدته، وعندما أحسّت بحركة خلف الباب، غيّرت جاهدةً نبرة صوتها قائلة: بنيّ حسين، ألم تذهب إلى عملك بعد؟ سوف تتأخّر يا بنيّ، اذهب ولا تقلق، أنا بخير الآن، ولا أشعر بأيّ ألم، فقد خفّف الدواء الوجع. اتّكل على الله والتحق بعملك.

-  إنّه يوم عطلتي، والإجازة السنويّة بدأت من اليوم، والدوام الليلي أمسى يومًا واحدًا في الأسبوع. لا تقلقي.

-  حماك الله يا بنيّ  من كلّ سوء. ألله يرضى عليك يا ابني.

فقد تقدّم حسين بطلب إجازة، بعد أن أخبره الطبيب بأنّ والدته دخلت مرحلة الخطر، ولم يبقَ إلا أيّام قليلة أمامها، فإحدى كليتيها أتلفت كليًّا والكلية الثانية هدّ قواها شبح الكسل، فغدت تعاني فشلًا كلويًّا خطيرًا.

أتمّ حسين كافة الفحوص الطبيّة وحجز سريرين في مستشفى دار الأمل الجامعي، استلقى على فراشه بعد أن خارت قواه، فمرض الوالدة هدّ قواه، وصراخها  مزّق جدار سكينته، فأمسى يقضي ليله، يحارب القلق والأرق بقراءة الأدعية، وأضحى يمضي نهاره، جسدًا يحرّك آلات المعمل، وروحًا تناجي الله، ولسانًا يلهج بالدعاء، وعينين دامعتين ...

مسح حسين الدموع من عينيه، حمل الهاتف  وأجرى اتّصاله بالطبيب.

- ألو، السلام عليكم دكتور.

- وعليكم السلام. أهلا يا حسين. كيف حال الوالدة؟

- ما زالت ترزح تحت وطأة الألم، تعضّ على الجراح وتحاول إخفاء ألمها عنّي.

- كان الله في عونها.

-  أكلّمك الآن لأؤكّد موعدنا غدًا.

-  أنت متأكّد من قرارك؟!

-  نعم، أنا متأكّد.

-  هناك خطورة على حياتك، لا تقلّ عن الخطر الّذي يحدق بالوالدة. ونسبة نجاح العمليّة عشرة بالمئة فقط.

-  والتسعون الباقية يهبنا إيّاها الواحد الأحد، فقد اتّكلت عليه وسلّمت أمر والدتي إليه، فهو حسبي ونعم الوكيل، ولن يخيب أملي أبدًا.

-  اتّكلنا على الله، موعدنا غدًا عند الساعة السابعة صباحًا إنشاء الله تعالى.

-  شكرًا دكتور.تصبح على ألف خير.

-  وأنت والسيّدة الوالدة بألف خير.

تسلّل حسين إلى غرفة والدته، اقترب منها، ففوجئ بهدوئها؛ لا أثر لصوت أنّاتها، مطبقة الجفنين، جبينها مرصّع بقطرات من اللؤلؤ الفضيّ، زاد من وقارها وهيبتها ابتسامة علت محيّاها المبلّل بزخّات العرق. تحسّس أنفاسها، هزّها بقوة، فلم تبد حراكًا. صرخ  بأعلى صوته: أمّي، أمّي، ردّي عليّ يا حبيبتي. أرجوك لا تتركيني يا أمّاه. ردّي عليّ، فأنت روحي والحياة ....

ومع تعالي صراخ حسين، توافد الجيران بالبكاء والعويل إلى منزل الحاجة زينب، وألسنتهم تلهج بالدعاء لها أملًا ببقائها على قيد الحياة.

تقدّم جعفر (الممرّض المشهود له ببراعته في عالم الطبّ) اقترب من أم حسين، تحسّس نبضها، وصرخ قائلًا: مازال نبضها يعمل، اتّصلوا فورًا بالإسعاف، هيّا اتصلوا!

أمّا هو، فباشر بالإسعافات الأوّليّة.

وصلت سيّارة الإسعاف، حملت الحاجة  على النقّالة، وبعد أن أدخلت إلى كهفها، أخذت السيّارة تنهب الأرض نهبًا، وصوت صفّارتها يلعلع، ويمزّق أسدال الليل ... ويدخل الخوف إلى قلوب أبناء المناطق التي تمرّ فيها هذه السيّارة، وكلُّ منهم يدلو بدلوه الطافح بأصدق عبارات الدعاء، لمن تقلّه الإسعاف، دون أن يعرفوا من يكون، فكلّ مريض بالنسبة إلى أبناء هذه القرى هو فرد من أفراد عائلتهم، يخشون عليه من كلّ سوء ومكروه، ويتمنّون له حياة هانئة ملؤها السعادة والعيش الرغيد. فهذه هي أخلاق أبناء القرى، وأتباع محمد وآل بيته (ع) .

أدخلت الحاجة غرفة الطوارئ، استدعي الأطبّاء المولجون علاجها: طبيب البنج، الطبيب الجرّاح، طبيب القلب ...

استدعى الدكتور مصطفى، حسين الابن البارّ، فوجده مكسور القلب خافض الجناح، منهار القوى، لكنّ هالةً نورانيّة تجلّله، إنّها هالة الأمل بشفاء الوالدة، ومدّها بنبض الحياة والتعويض عمّا لحق بها من هموم وأحزان ومآس. فهي الأم الثكلى التي فقدت ابنتيها، والزوجة الأرملة التي فقدت زوجها....

-  ماذا تقترح الآن يا حسين؟

-  أقترح التعجيل في العمليّة.

-  أأنت متأكّد؟

-  بكلّ تأكيد، وأكثر عزما وتصميما من ذي قبل.

-  بعد ساعتين من الآن، يكون كلّ شيء جاهزًا.

-  توكّلنا على الله، أملي به كبير ...

توجّه حسين إلى حديقة المستشفى، توضّأ، صلّى ركعتي التوسّل بمحمد وآل بيته، وباشر بالدعاء.

حان الموعد، فأدخل كلُّ من حسين ووالدته غرفة العمليّات، مرّت ساعات، والجيران والأقارب في باحة المستشفى، هذا تبرّع بوحدة من الدم، وذاك بوحدتين، وآخرون أخذوا يدعون بالشفاء للوالدة، وللابن البار الحنون ...

أشرقت الشمس، وأرسلت ضفائرها الذهبية على سهل البقاع، وراحت خيوط نورها تتسلّل إلى غرفة العناية الفائقة في مستشفى دار الأمل، تتفقّد حال المرأة وابنها، فبعد ستّ ساعات قضاها الاثنان معًا، نجحت العمليّة بإذن الله تعالى، فالابن عادت إليه طمأنينته الهاربة، بعد أن استؤصلت كليته، وزرعت في جسد والدته، فعادت إليها الحياة بفضل الله وكلية ابنها، فإذا بالجسدين يتلاحمان ماديًّا ومعنويّا، وبالمحبّة تشتدّ أواصر التلاحم والتعاضد.

أضاءت الشمس الغرفة، وحطّت رحالها العامرة بدفء الأمل والحياة على محيّا حسين، فأيقظته من غيبوبة تأثير الأدوية المخدّرة، وأوّل كلمات نطقت بها شفتاه: أمّي، أين أمّي؟ أخبروني، هل نجحت العمليّة ؟

-  أجاب الدكتور مصطفى: اطمئن يا حسين لقد نجحت العمليّة _ وبفضل الله _ مئة بالمئة.

حمدًا لله على سلامتكم. استرح، ولا تجهد نفسك.

-   حمدًا لك يا ربّ، وشكرًا لك يا دكتور. هل أستطيع رؤية أمّي؟ أرجوك.

-   انتظر قليلًا، ريثما تستفيق من أثر المخدّر.

أدخل حسين على كرسيّ مدولب غرفة والدته، وكان اللقاء. اقترب منها، غمرها بقوّة، فأجهشت بالبكاء وأطلقت عبارات أبكت الحاضرين من الطاقم الطبيّ ...

شيم وأخلاق رفيعة يتحلّى بها هذا الشاب، وعمليّة الإستئصال زادت من رصيده الأخلاقي، فغدا شابًا يحتذى به بين أقرانه في المجتمع، تحرسه عبارات الرضا وكلمات الدعاء بالتوفيق والحياة الهانئة من قبل كلّ من يعرفه، وكليته التي زرعت في أحشاء والدته غدت ملاكه الحارس؛ كيف لا؟ ودعاء والدته بالرضا والتوفيق والسداد أضحى مظلّة تقيه شرور الزمان وغدره، وتمدّه بظلّ الطمأنينة واليسر أينما اتّجه وكيفما سار.

 

محمد رسول حمية

السابع الأساسي

 

 

الرزنامة


شباط 2020
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
26 27 28 29 30 31 1 ٠٦
2 ٠٧ 3 ٠٨ 4 ٠٩ 5 ١٠ 6 ١١ 7 ١٢ 8 ١٣
9 ١٤ 10 ١٥ 11 ١٦ 12 ١٧ 13 ١٨ 14 ١٩ 15 ٢٠
16 ٢١ 17 ٢٢ 18 ٢٣ 19 ٢٤ 20 ٢٥ 21 ٢٦ 22 ٢٧
23 ٢٨ 24 ٢٩ 25 ٠١ 26 ٠٢ 27 ٠٣ 28 ٠٤ 29 ٠٥
ذكرى استشهاد شيخ شهداء المقاومة الشيخ راغب حرب عام 1984 واستشهاد سيد شهداء المقاومة السيد عباس الموسوي عام 11992
أسبوع المقاومة الإسلامية

مواقع صديقة

Image Caption

جمعية المبرات الخيرية

Image Caption

مؤسسة امل التربوية

Image Caption

مدارس الامداد الخيرية الاسلامية

Image Caption

المركز الاسلامي للتوجيه و التعليم العالي

Image Caption

وزارة التربية والتعليم العالي

Image Caption

جمعية التعليم الديني الاسلامي