جاري تحميل الصفحة
مدارس المهدي

مساحة التلامذة

أنت روحي والحياة

    كانت الشمس تحاول الاختباء وراء الأفق، عندما أخذت تلملم خصلها الذهبيّة عن كتف الوادي في بلدة تمنين، وتجمع ما بقي من أنسجتها المتلألئة على نافذة الحاجة زينب، ومع اختفاء آخر ومضة من لمعان الشمس الأرجوانيّة صرخت أمّ حسين بصوت يقطّع نياط الفؤاد قائلة: ارحمني يا ربّ! خفّف عني هذه الأوجاع، وخذني إلى عالم الملكوت علّ آلامي تهدأ. ارحمني ياربّ، واشفِ كلّ مريض، ومنّ عليّ بالشفاء أو بالموت، الرحمة، ارحمني يا ربّ".

خلال هذه المناجاة كان حسين يقف وراء الباب، يمسح الدموع من عينيه، يتوسّل بخشوع إلى الله، يردّد دعاء والدته، وعندما أحسّت بحركة خلف الباب، غيّرت جاهدةً نبرة صوتها قائلة: بنيّ حسين، ألم تذهب إلى عملك بعد؟ سوف تتأخّر يا بنيّ، اذهب ولا تقلق، أنا بخير الآن، ولا أشعر بأيّ ألم، فقد خفّف الدواء الوجع. اتّكل على الله والتحق بعملك.

-  إنّه يوم عطلتي، والإجازة السنويّة بدأت من اليوم، والدوام الليلي أمسى يومًا واحدًا في الأسبوع. لا تقلقي.

-  حماك الله يا بنيّ  من كلّ سوء. ألله يرضى عليك يا ابني.

فقد تقدّم حسين بطلب إجازة، بعد أن أخبره الطبيب بأنّ والدته دخلت مرحلة الخطر، ولم يبقَ إلا أيّام قليلة أمامها، فإحدى كليتيها أتلفت كليًّا والكلية الثانية هدّ قواها شبح الكسل، فغدت تعاني فشلًا كلويًّا خطيرًا.

أتمّ حسين كافة الفحوص الطبيّة وحجز سريرين في مستشفى دار الأمل الجامعي، استلقى على فراشه بعد أن خارت قواه، فمرض الوالدة هدّ قواه، وصراخها  مزّق جدار سكينته، فأمسى يقضي ليله، يحارب القلق والأرق بقراءة الأدعية، وأضحى يمضي نهاره، جسدًا يحرّك آلات المعمل، وروحًا تناجي الله، ولسانًا يلهج بالدعاء، وعينين دامعتين ...

مسح حسين الدموع من عينيه، حمل الهاتف  وأجرى اتّصاله بالطبيب.

- ألو، السلام عليكم دكتور.

- وعليكم السلام. أهلا يا حسين. كيف حال الوالدة؟

- ما زالت ترزح تحت وطأة الألم، تعضّ على الجراح وتحاول إخفاء ألمها عنّي.

- كان الله في عونها.

-  أكلّمك الآن لأؤكّد موعدنا غدًا.

-  أنت متأكّد من قرارك؟!

-  نعم، أنا متأكّد.

-  هناك خطورة على حياتك، لا تقلّ عن الخطر الّذي يحدق بالوالدة. ونسبة نجاح العمليّة عشرة بالمئة فقط.

-  والتسعون الباقية يهبنا إيّاها الواحد الأحد، فقد اتّكلت عليه وسلّمت أمر والدتي إليه، فهو حسبي ونعم الوكيل، ولن يخيب أملي أبدًا.

-  اتّكلنا على الله، موعدنا غدًا عند الساعة السابعة صباحًا إنشاء الله تعالى.

-  شكرًا دكتور.تصبح على ألف خير.

-  وأنت والسيّدة الوالدة بألف خير.

تسلّل حسين إلى غرفة والدته، اقترب منها، ففوجئ بهدوئها؛ لا أثر لصوت أنّاتها، مطبقة الجفنين، جبينها مرصّع بقطرات من اللؤلؤ الفضيّ، زاد من وقارها وهيبتها ابتسامة علت محيّاها المبلّل بزخّات العرق. تحسّس أنفاسها، هزّها بقوة، فلم تبد حراكًا. صرخ  بأعلى صوته: أمّي، أمّي، ردّي عليّ يا حبيبتي. أرجوك لا تتركيني يا أمّاه. ردّي عليّ، فأنت روحي والحياة ....

ومع تعالي صراخ حسين، توافد الجيران بالبكاء والعويل إلى منزل الحاجة زينب، وألسنتهم تلهج بالدعاء لها أملًا ببقائها على قيد الحياة.

تقدّم جعفر (الممرّض المشهود له ببراعته في عالم الطبّ) اقترب من أم حسين، تحسّس نبضها، وصرخ قائلًا: مازال نبضها يعمل، اتّصلوا فورًا بالإسعاف، هيّا اتصلوا!

أمّا هو، فباشر بالإسعافات الأوّليّة.

وصلت سيّارة الإسعاف، حملت الحاجة  على النقّالة، وبعد أن أدخلت إلى كهفها، أخذت السيّارة تنهب الأرض نهبًا، وصوت صفّارتها يلعلع، ويمزّق أسدال الليل ... ويدخل الخوف إلى قلوب أبناء المناطق التي تمرّ فيها هذه السيّارة، وكلُّ منهم يدلو بدلوه الطافح بأصدق عبارات الدعاء، لمن تقلّه الإسعاف، دون أن يعرفوا من يكون، فكلّ مريض بالنسبة إلى أبناء هذه القرى هو فرد من أفراد عائلتهم، يخشون عليه من كلّ سوء ومكروه، ويتمنّون له حياة هانئة ملؤها السعادة والعيش الرغيد. فهذه هي أخلاق أبناء القرى، وأتباع محمد وآل بيته (ع) .

أدخلت الحاجة غرفة الطوارئ، استدعي الأطبّاء المولجون علاجها: طبيب البنج، الطبيب الجرّاح، طبيب القلب ...

استدعى الدكتور مصطفى، حسين الابن البارّ، فوجده مكسور القلب خافض الجناح، منهار القوى، لكنّ هالةً نورانيّة تجلّله، إنّها هالة الأمل بشفاء الوالدة، ومدّها بنبض الحياة والتعويض عمّا لحق بها من هموم وأحزان ومآس. فهي الأم الثكلى التي فقدت ابنتيها، والزوجة الأرملة التي فقدت زوجها....

-  ماذا تقترح الآن يا حسين؟

-  أقترح التعجيل في العمليّة.

-  أأنت متأكّد؟

-  بكلّ تأكيد، وأكثر عزما وتصميما من ذي قبل.

-  بعد ساعتين من الآن، يكون كلّ شيء جاهزًا.

-  توكّلنا على الله، أملي به كبير ...

توجّه حسين إلى حديقة المستشفى، توضّأ، صلّى ركعتي التوسّل بمحمد وآل بيته، وباشر بالدعاء.

حان الموعد، فأدخل كلُّ من حسين ووالدته غرفة العمليّات، مرّت ساعات، والجيران والأقارب في باحة المستشفى، هذا تبرّع بوحدة من الدم، وذاك بوحدتين، وآخرون أخذوا يدعون بالشفاء للوالدة، وللابن البار الحنون ...

أشرقت الشمس، وأرسلت ضفائرها الذهبية على سهل البقاع، وراحت خيوط نورها تتسلّل إلى غرفة العناية الفائقة في مستشفى دار الأمل، تتفقّد حال المرأة وابنها، فبعد ستّ ساعات قضاها الاثنان معًا، نجحت العمليّة بإذن الله تعالى، فالابن عادت إليه طمأنينته الهاربة، بعد أن استؤصلت كليته، وزرعت في جسد والدته، فعادت إليها الحياة بفضل الله وكلية ابنها، فإذا بالجسدين يتلاحمان ماديًّا ومعنويّا، وبالمحبّة تشتدّ أواصر التلاحم والتعاضد.

أضاءت الشمس الغرفة، وحطّت رحالها العامرة بدفء الأمل والحياة على محيّا حسين، فأيقظته من غيبوبة تأثير الأدوية المخدّرة، وأوّل كلمات نطقت بها شفتاه: أمّي، أين أمّي؟ أخبروني، هل نجحت العمليّة ؟

-  أجاب الدكتور مصطفى: اطمئن يا حسين لقد نجحت العمليّة _ وبفضل الله _ مئة بالمئة.

حمدًا لله على سلامتكم. استرح، ولا تجهد نفسك.

-   حمدًا لك يا ربّ، وشكرًا لك يا دكتور. هل أستطيع رؤية أمّي؟ أرجوك.

-   انتظر قليلًا، ريثما تستفيق من أثر المخدّر.

أدخل حسين على كرسيّ مدولب غرفة والدته، وكان اللقاء. اقترب منها، غمرها بقوّة، فأجهشت بالبكاء وأطلقت عبارات أبكت الحاضرين من الطاقم الطبيّ ...

شيم وأخلاق رفيعة يتحلّى بها هذا الشاب، وعمليّة الإستئصال زادت من رصيده الأخلاقي، فغدا شابًا يحتذى به بين أقرانه في المجتمع، تحرسه عبارات الرضا وكلمات الدعاء بالتوفيق والحياة الهانئة من قبل كلّ من يعرفه، وكليته التي زرعت في أحشاء والدته غدت ملاكه الحارس؛ كيف لا؟ ودعاء والدته بالرضا والتوفيق والسداد أضحى مظلّة تقيه شرور الزمان وغدره، وتمدّه بظلّ الطمأنينة واليسر أينما اتّجه وكيفما سار.

 

محمد رسول حمية

السابع الأساسي

 

 

قصص من وحي الشهادة والجهاد

"إنّما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون...فسبحان الّذي بيده ملكوت كلّ شيءٍ وإليه ترجعون...صدق الله العلي العظيم..." بذا ختمتِ السّورة فسُرّ الخامدونْ، أغلقتِ المصحف على صفحاته المبلّلة بدمع الجفونْ، ثمّ قبّلته وراحتْ تغسلُ القبرين بالماء وعبراتِ قلبها المحزون، واقفةً تُطهّر الأرجاء بالبخور والشوقِ المكنون، ما إنْ التقتْ عيناها بعينيِّ بعلِها الحنونْ، حتّى سألَته: "أَرَحَلوا؟" بصوتٍ أنهكته الشّجونْ، أجابَها وفؤادهُ بها مفتونْ: "ونحنُ راحلونْ".

             -أمرتاحون أم خائفون معذّبون؟

   ردّ ماسحاً دمع تلك العيون: "ما للشّهداء هذه الظّنون! إنّ أصحاب الجنّة اليوم في شُغلٍ فاكهون". فابتسمت وراحت بين القبرين تدور، في صدرها شوقٌ يفور، وفي عقلها فكرٌ يثور، يؤلمها التّفكير في كلّ الأمور...رغم مضيّ السّنوات بَقيَ ذاك الشّعور: شوقٌ للاثنين و دعاءٌ على الأعداء بالثبور. حتّى ذلك اليوم بقيت ذكراهم تُبكِيها، تندب أمّها، تشتاق لأخيها، فلا صدر أمٍّ يحضنها، ولا كتف أخٍّ يحميها، وحده وجود زوجها وإخوتها يحييها، وبقاء أبيها يعزّيها، فأنشدت ولوعة الفراق تدميها:

مالي كلما أحببت امرءًا عني يغيبْ       وكأن نبض قلبي يبعدُ الحبيبْ

ربّاهُ ذكراهم تعذّبني فإليك أنيبْ       هلّا شفيتَ  شوقي بحتفٍ قريبْ

آنها مسح حسن دمع جفنيها، قائلاً بعد تقبيل يديها:

هي الدّنيا أمرها عجيبْ             يومٌ جميلٌ آخر عصيبْ

ولكِ في قلبي مكانٌ رحيبْ        فداكِ روحي دعي النّحيبْ

لنا إمامٌ علينا رقيبْ  له            الشّوق يدمينا لطولِ المغيبْ

فصبرًا حبيبتي علّنا نُصيبْ       مع المهديّ نصرًا قريبْ

أو يكون لنا بالشّهادة نَصيبْ      سوياًّ لنداء الآل نُجيبْ

ثم غادرا جنّة الشّهداء، بعدما ودّعت أمّها "زهراء"، ولثمت قبر أخيها "علي"، طالبةً من روحهما الدّعاء...عند وصولهما إلى المنزل، سمعت صوت أبيها: "زينب، زينب..."،  دخلا فسألته لِمَ يناديها، نظرها مبتسمًا والفرحة في عينيه يخفيها، بعد أن سلّم عليها وأهّل فيها، أجاب: "كنت أبحث عن الهاتف لأزفّ إليكم النّبأ"

-خيرٌ إن شاء الله، ما النّبأ؟

-لقد وُقّعت الأوراق، وسأسافر بعون الله إلى الجمهوريّة الإيرانيّة لإجراء العمليّة الجراحيّة...

    أما في نفس زينب فكان للخبر وقعٌ آخر، أهو أملٌ عاد يحاكيها أم خوفٌ بات يسكنها؟! سألته وسمات الدّهشة تحويها: "حقًّا؟! متى؟!"

-الأسبوع المُقبل بإذن الله سيصحبني الشّباب من مؤسّسة الجرحى

أردف حسن: "وبإذنه ستُعافى زتعودنا بالفرحى".

   ما هي إلاّ لحظات حتّى دخل "عبّاس" و"فاطمة" بالثّياب المدرسيّة، وحضنا أختهما بشوقٍ وحنيّة، فبعد رحيل أمّهم وأخيهم، صارت الأمّ الرّؤوم والصّديقة الوفيّة...

    وسرعان ما سألها عبّاس: "أعلمتما بالعمليّة؟"، وفيما ابتسم حسن مجيبًا، ومضت كلماته لزينب ذكرى أمّها "زهراء" آن وضعت "فاطمة"، كانت إحدى ليالي الشّتاء، عندما أسرتهم عاصفةٌ ثلجيّةٌ بيضاء، غياب الشّمس عن مدينتها غيّب الهناء، فرسول السّلام جلب لهم الأيّام السّوداء... أثناء تلك العاصفة كان وضع أمّها قد ساء، وتعسّر عليهم  الجلاء، كم تمنّت آنها لو يحملها الهواء، فتصل إلى المشفى وتتماثل للشّفاء... لا زال صدى صراخها في أذنيها، وألم عذابها أمام عينيها، صوت وجع والدتها ملأ الأرجاء، وزينب –ابنة السّنوات السبّع- ما بيدها خلاصٌ سوى البكاء. غبار السّنوات الثّلاث عشرة يرقص على جرحها فلا تذكر إلاّ الدّماء...

    أمّا في غرفة العمليات فبدأت نهاية المأساة، على سرير الولادة مُثّلت مسرحيّة الفناء، حيث قدّمت الأمّ روحها لابنتها فداء، فذبلت بسمة الفرح بالولادة بدمعة الحزن على الوفاة، وكانت وصيّتها الأخيرة أن تُدفن في جنة الشّهداء، وكان لها ما تشاء، لعلّه شوقٌ سبقها، أو حدسٌ أخبرها بأن بكرها سيُدفن هناك،

 

وتكون الجنّة روضةً للقاء...

    ومع تلك الذّكرى، صفعت زينب عبرةٌ دافئة فأيقظتها وأعادتها إلى واقعها. كان الخوف يأكل خلاياها  والقلق يهزّ حناياها ... كونها ممرّضة تعلم مسبقاً بأن لا أمل يُرجى من العمليّة، وجهود الأطبّة ستكون هباءً منثورًا. فالجرح الّذي وسمته به حرب تمّوز الماضية، لم تدمله السّنوات السّبع السّابقة، بل دمست آلامه بين أعضائه الواهنة، من بعد الإصابة بات يعدّ أياّمه الباقية، أمّا آمال الشّفاء فجمّها واهية...

     بعد أسبوع، اجتمعت العائلة مجدّداً للوداع، كان "أبو عليٍّ" يعيش وزينب حالة الضّياع، وليُخبرها بخوالج فؤاده قال: "أعلم أنّ بلاد فارس ستكون لي مصرع، بيد أنّ لي في شفاعة الرّضا وزيارته مطمع، كما أعلم أنّ بالكم بالفراق مُروّع، لأجل راحتي يا أحبّـتي لا تدَعوا أعينكم تدمع ..." ختم مبتسماً.

وأحشاؤه عليهم تتقطّع، ثمّ رحل...رحل بعد أن نال كلّ واحدٍ منهم نصيبه من الوداع، وعزف الفراق على عظام صدورهم للحزن إيقاع، أخيرًا كان إلى "غريب طوس" الإقلاع... حيث جمال الدّنيا يصبح فناء، وملقى الغريب جنة البقاء.

     ودارت دوامة الأياّم، لتبدأ الحرب مع اللّئام، فما كان لعيون رجال "زينب(ع)" أن تنام، لذا شدّوا الرّحال، وقطعوا  الأميال، وزحفاً انطلقوا صوب الشّام، ليحاموا عن بضعة فاطمة وعقيلة الإمام، فاحتار "فخر" زينب بين بعلها وأخيها، كيف لا وكلاهما حماة المقام؟! أما فكرها فاختار الانفصام: نصفه في إيران والآخر في الشّام. 

     وفي إحدى اللّيالي لاح لها طيف منام، استيقظت لتسرح رواسب أحلامها في الظّلام، وتتأكّد أكان حُلماً أم مجرّد أوهام، فيما كان الأنام نيام أيقظت بسملتها أختها فاطمة الّتي بادرت بالسّؤال :"خيرٌ إن  شاء الله؟! ما رؤياكِ يا أختاه؟!"

-        رأيتها والّذي اسمه الرحمان والسّلام، بضعة الرّسول أقبلت من فوق الرّكام، حدثتني بأجمل الكلام، قالت لي: "إن عاد عبّاسك قبّلي كفيّ هذا الهُمام وزلّلي كلّ مصائبك بذكر الآل الكرام"، وإذ ما بكيتُ بين يديها، مسحتْ عبراتي براية قبّة المقام... ثم أيقظني صوت الآذان...

-        جعله الله خير الأحلام، فلنصلِّ وندعو لأخي المقدام ...

 بعد تأدية عمود الإسلام، وكالعادة معاهدة الإمامعج، انطلقت "زينب" إلى الدّوام. وفيما كانت تتطلّع على أخبار حرب الشّام، استحضرت كربلاء آن نُصبت عليها الأعلام، يومها غصبوا "فدك" واليوم يريدون المقام، اليوم يحرقون "سوريا" ويومها أحرقوا الخيام، فأين من أسلحتهم السيّوف، بل أين السّهام؟! وقد جئناهم في عشق الآل أيتام، يومها خانتنا العشائر والسِّوام، واليوم بحزبنا نبخرهم كما الغمام، فلا تعصى على الأُسد بعض الأغنام، سيرون بأمّ أعينهم عمق الهيام، اليوم تبيدهم بدايات ثورة الإمامعج ...

 ما إن وصلت إلى "قسم العناية"، حتى باشرت بالإطمئنان على المرضى، تاركةً الحظّ الأوفى من اهتمامها للجرحى، وعندما لدغت عقارب السّاعة الخانة الثّالثة، وصلتها رسالةٌ قصيرة من فاطمة، تقول فيها: "أسرعي بالعودة إلى الدّار، فقد عاد الزّوّار..." ومع إبصار أحرفها الجامدة، جمد الدّم في عروق القارئة، تتساءل عن الزّوار: زوّار زينب أم جريح الرّضا في إيران؟! وعبثاً حاولت معاودة الإتّصال، إذ انقطع الإرسال. كان دوامها قد شارف على الانتهاء، فبدّلت مريلتها البيضاء.وفيما كانت توقّع أوراق المغادرة، أُحضر جريحان، ومن إنشغالها بالرّسالة – دون الالتفات إليهما - غادرت المكان ...

وكانت المفاجأة على أعتاب الدّار، استقبلتها "فاطمة" ودمع عينيها يهطل كالأمطار على وجنتين حمراوين كالمرجان. حضنتها "زينب" ورفات الوجل فيها تلتهب كنار: "أختاه بوحي بالمكتوم من الأسرار، أطلعيني الأخبار، ما حال الزّوار ؟"

-درب الصّبر يا زينب مرّار، فاذكري "يتيمة محمدٍ" علها تُزيح عنك الأوزار, غاب يا أختي من كان بالأمس الرّكن و الدّار، روحه عرجت إلى السّماء و هامته هامدةً تأتينا من المطار ...

لكلمات "فاطمة" أحسّت "زينب" بالدّوار، متأمّلةً لو تتغيّر نتيجة الحوار، ما لبثت أن ومضت في عينيها الأنوار، و وقعت مغميّاً عليها فوق أوراق الأشجار ...لحظات و استعادت وعيها في حضن أختها   لتسمع عبارات التّرجيع و الاستغفار، تمنّت آنها لو يُحلّل الانتحار, فعلى ألم الفراق تُفضل الاحتضار . ها هي تقف مجدّدًا أمام عسف الأقدار، ترجو رحمة الباري مسلّمةً لقضاء القدّار. راحت تتساءل كيف تنام اللّيل و تقوم النّهار؟, قد رحل والدها و ثانيةً فاتها القطار,فإن سألتها ورود الدّار عن ساقيها بمَ تجيب الأزهار ؟ وكيف تُهدّئ روع يتيمةٍ نشب الحزن في قلبها أنيابه والأظفار؟ بل بمَ تجيب مقاومًا غادر ليمحو بصمة العار؟ "أبو عليٍّ" ورغم طول الإنتظار، استطاع اللّحاق بركب شهداء الانتصار. وكان أوّل من تذكّرته يتيمة المختار ع ": بضعة الرّسول رغم المعاناة أبت الإنهيار، وأنا اليوم أحاول الفرار ؟! هيهات ...حتّى آخر رمقٍ فيّ سأُكمل المشوار ..."قالت هذا مستجمعةً ما بقيَ من قواها، مُحاولةً الصمود والاستمرار ...

 

 سألتها "فاطمة" و تنهّدات البكاء تُكسّر صوتها ": أختي، كيف نخبر "عبّاس"؟، و متى تُشيّع الجنازة و نُعلم النّاس ؟ "

فأجابتها":إن حرارة رحيله حشرجةٌ تحبس هيام فؤادي, فصبرًا عليّ يا أنيسة أحزاني، أخاف أن يغدر بأخي العدوان، إن اعترى قلبه الأسى و الحنان، و عندما تصل جثّة أبي من إيران، نشيّعها و الأقارب  والجيران".

     و مع إشراقة اليوم التالي أزاحت ملكة البهاء بأصابعها الدّافئة بعضاً من ستائر السّماء الدّاكنة و ألقت بأشّعتها العسجديّة على غيومٍ متلبدّة فلوّنت أطرافها، أيلول عاد و ما من ارتحالٍ لصمته إلاّ عند الرّبيع، فالطّيور تركت له حيّزًا في السّماء ليستريح، و الأشجار أعرت أغصانها لتصافحه و الرّيح، وطيوره المهاجرة تؤكّد أنّ الرّحيل مكتوبٌ للجميع ... بالرّغم من أنّ اليوم عطلتها، فاجأ "زينب" اتّصالٌ من المشفى لمزاولة عملها، فأسرعت لتأدية واجبها, إذ اشتدّت المعركة و كَثُر جرحاها...

   -" آجرك الله على مجيئك يا "زينب", بالأمس أتانا جريحان كان وضعهما خَطِرًا، هلاّ اطمأنّيت عليهما؟" قالت لها زميلتها متابعةً عملها ... بينما كانت تنفّذ ما أُمليَ عليها، لفتها اسم "عبّاس" على باب أحدهما، هرعت إلى غرفته ليصدمها مقاومٌ مقطوع الكفين، مضمّد الرّأس، مُغمض العينين . عرفته...

 وكيف تجهل الحنونة أخاها ؟! إنّه هو حامي زينب، حبيب فاطمة. صرخت باسمه وهي صامتة، ووقفت دقائق أمامه واجمة ... ثم دنت منه ومقلتاها دامعتان، مقبّلةً جبينه قائلة ": بنفسي أنتِ مولاتي يا فاطمة، كيف أُنفّذ وصيّتكِ الآنفة؟ ولا كفوف أُقبّلها ولا أيدٍ ألثمها، ألا فانظري حال المقدام أمامي..."

        راحت "زينب" تنسج من الصّبر مناديل الدّمع، تشرب التّجلّد في كؤوس الأسى، وتعبّد بالحسرات دروب الرّحيل, باحثةً عن المرسى ... تُحمل الأياّم ما اعترى في نفسها، شاكرةً اللّه على المصاب الجليل, مُسلّمةً بأنها لم ترَ إلاّ الجميل. وكان اللّطف الإلهيّ عود "عبّاس" وإن كان جريح، وسلامة "حسن" بعد المحاماة عن أخت "الذّبيح".

     وأخذت "الرّوزنامة "تُقلّب صفحاتها، و تُغيّر تواريخ الأياّم و الأزمان، حتّى كان في بداية العام التّالي ما كان: إذ فُتحت الجبهة مجدّدًا مع العدوان، مع اللّعنة أبناء أبي سفيان، و ليُرَدّ عن الأهل جور السّفلة

والطّغيان، هبّ لإبادتهم شبابنا الشّجعان. فكيف نقف على الحياد والهلاك يهدّد لبنان ؟! أَنَهابُ موتاً

والسّلام كلّه في بياض الأكفان؟!

 الوجهة جليّة و"القصير" هي العنوان ... و كان "حسن" في طليعة الشّبّان, الهمّ وحده ردّ العدوان، فلا جبهة نصرةٍ تبقى ولا داعش ولا الجيش الجبان، كلهم سيعدمون برفّة جفنٍ لأبطالنا الفرسان ... فيسيطر رجال مقاومتنا على الميدان بنداء":لبّيك يا صاحب العصر و الزّمان".

     وهناك وقفت زينب تهزّ بصبرها الأركان، داعيّةً أن يتقبّل الكريم منها القربان. قد سلّمت الأمانات

وتسلّمت الأشجان، خاطبت قبور أحبّتها في جنة الرّضوان، و عيناها مع الدّمع ستنمهلان، قالت: "أقف على قبرك يا أبي، والذّكريات تمور في وجداني، هل تذكروني أم قد اعتراني دجى النّسيانِ ؟! أنا التي ثملت لياليّ من الأحزانِ، وتوقّف بعد رحيلكم زماني، فأضعت في هذه الدّنيا مكاني، داووا فؤادًا مكسورًا برؤياكم ينجبر، فعبراتي على فراقكم كالسّيل تنحدر، وفيّ بركان شوقٍ كلّ دقيقةٍ ينفجر..."

   في تلك اللّحظات استرعى انتباهها قبر أخيها "علي"، تذكّرت بسماته حين يلاعبها، ونظراته حين يحاكيها: "أخي، رحلت إلى الحرب ناسياً طريق الإياب، قتلك يهوديّ تموز يا خيرة الشّباب، و قد جئتك واقفةً أمام الأمواج العاتية لرياح الجفاء، فهل ستمخر سفينتك عباب هذا الفضاء؟ ما مضى لقاءٌ بلا فراق، خوفي أن يمضي فراقنا بلا لقاء..."

        أما حسن فكان يودّع جدران "مسجد الإمام عليع " و الأبواب . بعد أن صلّى ركعتين في المحراب، توضأت وجنتاه بدموع شوقٍ لسيّد الشّهداء، فكلّ ركنٍ في المسجد فيه عطر الدّماء . بالأمس كان حول "عبّاس الموسوي"يتجمّع الأتراب، منصتين بقلوبهم، مرتشفين بأعينهم كلمات الخطاب، و اليوم تراهم أعينًا تحرس جبالًا، ترعى الهضاب . يدنيهم للقائد توقٌ، أملٌ باللقاء ... قد ولد بين جدران الكعبة "أبو تراب",و السّيّد بارك ولادة أشباله في بيت الله، فكانت رصاصةٌ قضت على باقي الأحزاب, مثبتةً أنّ "حزب اللّه" للأبد هو الغلّاب.

    ثوان ٍو مزّق صفحات تفكيره نداءٌ باسمه الجهاديّ":تراب...زوجك بانتظارك". ما إن علم حتّى قبّل الأرجاء ببريق عينيه، مُلقياً على الرّفاق تحيّة أهل الجنّة، و أسرع لرؤية "زينب" التّي  كانت واقفةً  في حديقة المسجد كالزّهرة بعبائتها السّوداء، زهرةٌ في أيّار تفتّحت آن لامستها أشعّة ذكاء ... دنا منها فسمعها تتمتم بفاتحة الكتاب، عيناها على المقبرة تحدّث بصمتٍ الأحباب . و عندما أبصرته ابتسمت مسلّمةً بعينيها قبل الكلام, في تلك العينين كان "حسن" يفهم ما يعجز عنه بقيّة الأنام، يراها تلمع كالنّجوم وسط الظّلام، كيف لا و هي نفسه تشاطره الحياة و حتّى المرام...

   سألها ناظراً إلى بطنها ":كيف حال طفلنا الصّغير ؟" أجابت مبتسمة، و كأن مناها الوحيد أن تسمع ما استطاعت صوته الجميل، و كان لها ما تمنّت ":أتذكرين عندما زففت إليّ النّبأ ؟ كنّا هنا في احتفال ولادة الرّسول قبل سبعة أشهر، و قد نذرت الطّفل للمقام "

فضحكت ضحكةً خافتة قائلةً":أجل، أوأنسى واجبًا ؟.

-ما رأيكِ بتسمية المولود "محمّد"؟

-إن شاء الله يا أبا محمد ...

   ابتسم مطبقاً على شفتيه يروم وداعها، و تعصيه الكلمات في حضورها . سألته عيناها ساحبةً أحرفًا أخفاها، فقال ":يُذكر أنّ أمّ ياسر قبل شهادتهما، قالت للسّيّد":أنا حوريّتك يا سيّد في الدّنيا و الآخرة "

-و أنا حوريّتك يا تراب ...في الدّنيا و الآخرة .أ أتسمح لي أن أزور الجنّة في غيابك ؟

  مقبّلاً جبينها أجاب ":أخاف عليكِ أن تأتي وحدكِ,انتظري عودتي,وعدٌ لمقلتيك ما إن أصل حتّى نزورها سويًّا.."

     و مضى إلى الشّهادة، و مضت معه الأيّام، فكان في القصير ما لا يحمله لبّ عاقل، سيطر الشّباب على المداخل، و لم يبق من السّلفة السّفلة إلاّ القليل ليُقاتل .بيد أنّ مرور حربٍ دون شهداء كلامٌ باطل...فكلما ارتفعت وتيرة الحرب زاد الجرحى، و ارتفع شهداءٌ أفاضل .و"زينب" بقيت تزاول العمل رغم أنّها حامل، تسأل عيناها عن "حسن" كلّما وصل مُقاتل . تبكيه في عتمة اللّيل و نهارًا تناضل، تتصبّر بالغريبة و فداءً لعينيها تُكابر.كلما زُفّ شهيدٌ بدت كالورد الذّابل...

      و قبل أن تُطهّر الأرض بالكامل، جاءهم جريحٌ، في عينيه آلاف الرّسائل، أخرج من جعبته ورقةً طهرّها دمه السّائل، و سلّمها لزينب قائلاً أنّها من "تراب" . شمّت الرّسالة و قد غسل الدّم الّذي عليها دمع عينيها، ففيها عطر الجهاد و نسيم أرضٍ حُمل من كربلاء .قرأت بعد عبارات الحمد و الثّناء، و الحبّ و الشّوق للقاء :

   يوم الخميس الّذي يصادف بعد غد, سأحاول الاتّصال بكِ السّاعة السّادسة مساءً.حبيبتي أشهد بأنّك أدّيت جهادك في حسن التّبعّل و أحسنت، فادعِ لي أن يقبل الله جهادي.

       حملت أسفاري و جئتك متّكئًاً      أقدّم لكِ ما عبّرت عنه جراحي

       فاقرأي منّي أكان صوابًا أم خطأً     لعلّك تكونين متّكئي و سلاحي

       استعين به عند كلّ ضائقةٍ       مستبدلاً أياّم هزيمتي بناحي

       و كلمة حقٍّ تُقال في نهاية     لا حرمني الله منكِ يا حياتيب    

     فبعين بصيرتك أستبصر          و الصبر للقياكِ بات محرابي

               اعتني جيّدًا بنفسك، و بنفسي الّتي استودعتها فيكِ، محمّدنا...أحبّكِ  

                                                    تراب

      فجر الخميس استيقظ "كربلاء"صديق "حسن" على ترتيله لآيات القرآن، أنصت حتّى أنهى فسأله مبتسماً  ":أتصلّي قبل الآذان ؟"

-        ألا يحبّ الحبيب خلوة حبيبه؟!

-        أراك هائماً يا صديقي في هوى الخالق، أفلا تركت شيئاً للمخلوق ؟

ابتسم تراب مجيباً لسؤال صديق الحرب الجنوبيّ ":بلى..تركت الكثير,أسكنت الخالق حرم قلبي، و أعطيته لزوجٍ خلقها من نفسي ..."

-فليجرك الله من هؤلاء الأغبياء، إن سمعونا اقتلعوا قلبك لملاقاة الله...

    و بضحكةٍ علويّةٍ ختما حديثهما، و باشرا بمراقبة المكان، فهدوء اللّيلة الماضية يضعهم أمام خيارين :إمّا فرار المسلّحين أو تحضيرٌ للمعركة الأخيرة...تمركز الشّباب، كلٌ في موقعه ينتظر الأمر بالضّغظ على الزّناد.و عند سماع النّداء بتلبية مستأصل أهل التّضليل و الإلحاد، باشروا بتصفية أهل العناد.

     و قبيل السّاعة الخامسة تذكّر حسن وعده لزينب، فاغتم . كان المتوقّع أن يتوقّف إطلاق النّار قبل ساعة. أحسَّ "كربلاء " بانزعاج صاحبه، فزحف نحوه سائلًا  عمّا أهمّه . فما كان من الأوّل إلّا أن أخبره...قال كربلاء":لا عليك يا أخي، الآن نستأذن القائد المحوريّ و نعود إلى المركز آن يهدأ إطلاق النّار. لم يبقَ إلا خمسة ..." 

-        لا بأس، لن أترككم الآن، سنعود سويًّا بعد نصف ساعة بإذن الله..

بعد نصف ساعة، ساد الهدوء و غُلّف الفضاء بغبار القذائف، و لم يبقَ للتّكفيريّين سوى أثر الدّماء و الأشلاء، فحمل الشّباب جرحانا و الشّهداء. و بالتّكبيرات غادر الشّباب ... و بينما كانوا يهمّون بالمغادرة أبصر حسن قنّاصًا كالحيّة ملتفٌّ وراء عامودٍ على سطح إحدى البنايات...

  أمّا "زينب" فاستجدّ عملها و اضطرّت أن تبقى حتّى السّاعة . أوضاع الجرحى خطيرة و لن يتسنّى لها المغادرة قبل نصف ساعة . و عندما أنهت خرجت بثياب العمل، و استقلّت أوّل سيّارةٍ رأتها ...ما إن ترجلّت منها حتّى أسرعت دون الالتفات، فصدمت جانبها إحدى السّيّارات ...

      في تلك الأثناء، أطلق القنّاص رصاصته الغادرة لتخرق جمجمة "حسن" الّذي حاول جاهدًا ردّ الطّلقات عن أصدقائه، فكان درعًا لأجسادهم الطّاهرة و خوذةً لرؤوسهم التّقيّة ...وأمضت حياته أمام عينيه، و كان ثغرها المبتسم آخر ما أبصرته مقلتاه، فصرخ ":لبّيكِ... يا زينب " بملء شفتيه, و سقط مرتفعًا شهيدًا بعد أن أغمض النّجيع عينيه...

       إبّان ارتقاء روحه إلى السّماء, لعلّها التفتت إلى الوراء قائلة:

سألت روحي بعد طول عناء    كم أحببت في الكون من حوراء

أجابت و الرّوح تتنهّد فرحًا    هل للقلب متّسع لأكثر من ولاء؟

فرشت لها بين أجنحته وردًا      تفوّحت منه كلّ العنبر و الدّماء

جفّت عروقي و طعم بلسمها  سائحٌ  فاح عطره فوق كلّ الأرجاء

زينبٌ لكِ في القلب مرتبةٌ          لم يعتلها سواكِ من النّساء

لو كان السّبق لغيركِ لكنتِ أنت  خلاصة حبّي في الأرض و السّماء*

 و على السّرير في غرفة العمليّات، ابتسمت زينب و صرخ "محمّد" مستقبلًا آلام الحياة، و بقي أربعين يوماً تحت المراقبة حتّى تماثل للشّفاء، و ما لبثت ابتسامة اللّقاء إلا بضع ثوانٍ، قد أيقنت  زينب حينها أنه حان وقت الفراق، فاستودعت طفلها للدنيا تخلق له النّهار أماً و اللّيل أباً، تنهدت و امتثلت إلى الباري قائلة :"بحق ضلع الزّهراء لبيت لكِ الوفاء يا مولاتي يا زينب ".

 كانت هذه عبارة وداعها  و لسان حالها يجيب بعلها:

                         هات يدك و احملني إليكَ   فبعد الشّهادة يطيب اللّقاء

و أنا الملوعة قد رأيت كم  مزّقتني رياح الجفاء

فراشة قلبك  قد حلّقت  مسرعةً إليكَ تلبي النّداء

                    

"إنّما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون...فسبحان الّذي بيده ملكوت كلّ شيءٍ و إليه ترجعون...صدق الله العلي العظيم..." بذا ختمتِ السّورة فسُرّ الخامدونْ، أغلقتِ المصحف على صفحاته المبلّلة بدمع الجفونْ، ثمّ قبّلته و راحتْ تغسلُ القبرين بالماء و عبراتِ قلبها المحزون، واقفةً تُطهّر  الأرجاء بالبخور و الشوقِ المكنون, ما إنْ التقتْ عيناها بعينيِّ بعلِها الحنونْ, حتّى سألَته ":أَرَحَلوا؟" بصوتٍ أنهكته الشّجونْ، أجابَها و فؤادهُ بها مفتونْ ":و نحنُ راحلونْ".

             -أمرتاحون أم خائفون معذّبون ؟

   ردّ ماسحاً دمع تلك العيون":ما للشّهداء هذه الظّنون !إنّ أصحاب الجنّة اليوم في شُغلٍ فاكهون ". فابتسمت و راحت بين القبرين تدور, في صدرها شوقٌ يفور, و في عقلها فكرٌ يثور, يؤلمها التّفكير في كلّ الأمور...رغم مضيّ السّنوات بَقيَ ذاك الشّعور : شوقٌ للاثنين و دعاءٌ على الأعداء بالثبور.حتّى ذلك اليوم بقيت ذكراهم تُبكِيها,تندب أمّها,تشتاق لأخيها، فلا صدر أمٍّ يحضنها، و لا كتف أخٍّ يحميها، وحده وجود زوجها و إخوتها يحييها,و بقاء أبيها يعزّيها,فأنشدت و لوعة الفراق تدميها":

مالي كلما أحببت امرءًا عني يغيبْ       و كأن نبض قلبي يبعدُ الحبيبْ

ربّاهُ ذكراهم تعذّبني فإليك أنيبْ       هلّا شفيتَ  شوقي بحتفٍ قريبْ

آنها مسح حسن دمع جفنيها، قائلاً بعد تقبيل يديها:

هي الدّنيا أمرها عجيبْ             يومٌ جميلٌ آخر عصيبْ

و لكِ في قلبي مكانٌ رحيبْ        فداكِ روحي دعي النّحيبْ

لنا إمامٌ علينا رقيبْ  له            الشّوق يدمينا لطولِ المغيبْ

فصبرًا حبيبتي علّنا نُصيبْ       مع المهديّ نصرًا قريبْ

أو يكون لنا بالشّهادة نَصيبْ      سوياًّ لنداء الآل نُجيبْ

ثم غادرا جنّة الشّهداء,بعدما ودّعت أمّها "زهراء",و لثمت قبر أخيها "علي"، طالبةً من روحهما الدّعاء...عند وصولهما إلى المنزل,سمعت صوت أبيها ":زينب,زينب..."، دخلا فسألته لِمَ يناديها، نظرها مبتسمًا و الفرحة في عينيه يخفيها، بعد أن سلّم عليها و أهّل فيها، أجاب ":كنت أبحث عن الهاتف لأزفّ إليكم النّبأ "

-خيرٌ إن شاء الله، ما النّبأ؟

-لقد وُقّعت الأوراق,و سأسافر بعون الله إلى الجمهوريّة الإيرانيّة لإجراء العمليّة الجراحيّة...

    أما في نفس زينب فكان للخبر وقعٌ آخر,أهو أملٌ عاد يحاكيها أم خوفٌ بات يسكنها ؟! سألته وسمات الدّهشة تحويها ":حقًّا؟! متى؟!"

-الأسبوع المُقبل بإذن الله سيصحبني الشّباب من مؤسّسة الجرحى

أردف حسن ":و بإذنه ستُعافى و تعودنا بالفرحى".

   ما هي إلاّ لحظات حتّى دخل "عبّاس"و "فاطمة" بالثّياب المدرسيّة,و حضنا أختهما بشوقٍ و حنيّة، فبعد رحيل أمّهم و أخيهم، صارت الأمّ الرّؤوم و الصّديقة الوفيّة...

    و سرعان ما سألها عبّاس":أعلمتما بالعمليّة؟"، و فيما ابتسم حسن مجيبًا,ومضت كلماته لزينب ذكرى أمّها "زهراء" آن وضعت "فاطمة",، كانت إحدى ليالي الشّتاء، عندما أسرتهم عاصفةٌ ثلجيّةٌ بيضاء,غياب الشّمس عن مدينتها غيّب الهناء، فرسول السّلام جلب لهم الأيّام السّوداء...أثناء تلك العاصفة كان وضع أمّها قد ساء، و تعسّر عليهم  الجلاء، كم تمنّت آنها لو يحملها الهواء، فتصل إلى المشفى و تتماثل للشّفاء ...لا زال صدى صراخها في أذنيها، و ألم عذابها أمام عينيها، صوت وجع والدتها ملأ الأرجاء، و زينب –ابنة السّنوات السبّع- ما بيدها خلاصٌ سوى البكاء.غبار السّنوات الثّلاث عشرة يرقص على جرحها فلا تذكر إلاّ الدّماء...

    أمّا في غرفة العمليات فبدأت نهاية المأساة، على سرير الولادة مُثّلت مسرحيّة الفناء,حيث قدّمت الأمّ روحها لابنتها فداء,فذبلت بسمة الفرح بالولادة بدمعة الحزن على الوفاة، و كانت وصيّتها الأخيرة أن تُدفن في جنة الشّهداء، و كان لها ما تشاء، لعلّه شوقٌ سبقها، أو حدسٌ أخبرها بأن بكرها سيُدفن هناك،

و تكون الجنّة روضةً للقاء...

    و مع تلك الذّكرى، صفعت زينب عبرةٌ دافئة فأيقظتها و أعادتها إلى واقعها.كان الخوف يأكل خلاياها  و القلق يهزّ حناياها ... كونها ممرّضة تعلم مسبقاً بأن لا أمل يُرجى من العمليّة, و جهود الأطبّة ستكون هباءً منثورًا . فالجرح الّذي وسمته به حرب تمّوز الماضية،  لم تدمله السّنوات السّبع السّابقة، بل دمست آلامه بين أعضائه الواهنة، من بعد الإصابة بات يعدّ أياّمه الباقية، أمّا آمال الشّفاء فجمّها واهية...

     بعد أسبوع، اجتمعت العائلة مجدّداً للوداع، كان "أبو عليٍّ" يعيش و زينب حالة الضّياع,و ليُخبرها بخوالج فؤاده قال ":أعلم أنّ بلاد فارس ستكون لي مصرع، بيد أنّ لي في شفاعة الرّضا و زيارته مطمع، كما أعلم أنّ بالكم بالفراق مُروّع، لأجل راحتي يا أحبّـتي لا تدَعوا أعينكم تدمع ..." ختم مبتسماً .

و أحشاؤه عليهم تتقطّع، ثمّ رحل...رحل بعد أن نال كلّ واحدٍ منهم نصيبه من الوداع, و عزف الفراق على عظام صدورهم للحزن إيقاع,أخيرًا كان إلى "غريب طوس" الإقلاع...حيث جمال الدّنيا يصبح فناء، و ملقى الغريب جنة البقاء.

     و دارت دوامة الأياّم، لتبدأ الحرب مع اللّئام، فما كان لعيون رجال "زينبع" أن تنام، لذا شدّوا الرّحال، و قطعوا  الأميال، و زحفاً انطلقوا صوب الشّام، ليحاموا عن بضعة فاطمة و عقيلة الإمام، فاحتار "فخر" زينب بين بعلها و أخيها,كيف لا و كلاهما حماة المقام ؟! أما فكرها فاختار الانفصام: نصفه في إيران و الآخر في الشّام .

     و في إحدى اللّيالي لاح لها طيف منام، استيقظت لتسرح رواسب أحلامها في الظّلام، و تتأكّد أكان حُلماً أم مجرّد أوهام، فيما كان الأنام نيام أيقظت بسملتها أختها فاطمة الّتي بادرت بالسّؤال ":خيرٌ إن  شاء الله ؟! ما رؤياكِ يا أختاه ؟!"

-        رأيتها و الّذي اسمه الرحمان و السّلام، بضعة الرّسول أقبلت من فوق الرّكام، حدثتني بأجمل الكلام,قالت لي":إن عاد عبّاسك قبّلي كفيّ هذا الهُمام و زلّلي كلّ مصائبك بذكر الآل الكرام"، و إذ ما بكيتُ بين يديها، مسحتْ عبراتي براية قبّة المقام...ثم أيقظني صوت الآذان...

-        جعله الله خير الأحلام، فلنصلِّ و ندعو لأخي المقدام ...

 بعد تأدية عمود الإسلام، و كالعادة معاهدة الإمامعج، انطلقت "زينب" إلى الدّوام . و فيما كانت تتطلّع على أخبار حرب الشّام, استحضرت كربلاء آن نُصبت عليها الأعلام، يومها غصبوا "فدك" و اليوم يريدون المقام، اليوم يحرقون "سوريا" و يومها أحرقوا الخيام، فأين من أسلحتهم السيّوف، بل أين السّهام؟! وقد جئناهم في عشق الآل أيتام ، يومها خانتنا العشائر و السِّوام، و اليوم بحزبنا نبخرهم كما الغمام, فلا تعصى على الأُسد بعض الأغنام، سيرون بأمّ أعينهم عمق الهيام، اليوم تبيدهم بدايات ثورة الإمامعج ...

 ما إن وصلت  إلى "قسم العناية"، حتى باشرت بالإطمئنان على المرضى, تاركةً الحظّ الأوفى من اهتمامها للجرحى، و عندما لدغت عقارب السّاعة الخانة الثّالثة، وصلتها رسالةٌ قصيرة من فاطمة، تقول فيها":أسرعي بالعودة إلى الدّار,فقد عاد الزّوّار..." و مع إبصار أحرفها الجامدة، جمد الدّم في عروق القارئة، تتساءل عن الزّوار : زوّار زينب أم جريح الرّضا في إيران ؟! و عبثاً حاولت معاودة الإتّصال،  إذ انقطع الإرسال . كان دوامها قد شارف على الانتهاء، فبدّلت مريلتها البيضاء.و فيما كانت توقّع أوراق المغادرة، أُحضر جريحان، و من إنشغالها بالرّسالة – دون الالتفات إليهما - غادرت المكان ...

و كانت المفاجأة على أعتاب الدّار، استقبلتها "فاطمة" و دمع عينيها يهطل كالأمطار على وجنتين حمراوين كالمرجان .حضنتها "زينب" و رفات الوجل فيها تلتهب كنار ":أختاه بوحي بالمكتوم من الأسرار، أطلعيني الأخبار، ما حال الزّوار ؟"

-درب الصّبر يا زينب مرّار، فاذكري "يتيمة محمدٍ" علها تُزيح عنك الأوزار, غاب يا أختي من كان بالأمس الرّكن و الدّار، روحه عرجت إلى السّماء و هامته هامدةً تأتينا من المطار ...

لكلمات "فاطمة" أحسّت "زينب" بالدّوار، متأمّلةً لو تتغيّر نتيجة الحوار، ما لبثت أن ومضت في عينيها الأنوار، و وقعت مغميّاً عليها فوق أوراق الأشجار ...لحظات و استعادت وعيها في حضن أختها   لتسمع عبارات التّرجيع و الاستغفار، تمنّت آنها لو يُحلّل الانتحار, فعلى ألم الفراق تُفضل الاحتضار . ها هي تقف مجدّدًا أمام عسف الأقدار، ترجو رحمة الباري مسلّمةً لقضاء القدّار. راحت تتساءل كيف تنام اللّيل و تقوم النّهار ؟, قد رحل والدها و ثانيةً فاتها القطار,فإن سألتها ورود الدّار عن ساقيها بمَ تجيب الأزهار ؟ و كيف تُهدّئ روع يتيمةٍ نشب الحزن في قلبها أنيابه و الأظفار ؟ بل بمَ تجيب مقاومًا غادر ليمحو بصمة العار ؟ "أبو عليٍّ" و رغم طول الإنتظار, استطاع اللّحاق بركب شهداء الانتصار. و كان أوّل من تذكّرته يتيمة المختار ع ": بضعة الرّسول رغم المعاناة أبت الإنهيار، و أنا اليوم أحاول الفرار ؟! هيهات ...حتّى آخر رمقٍ فيّ سأُكمل المشوار ..."قالت هذا مستجمعةً ما بقيَ من قواها، مُحاولةً الصمود والاستمرار ...

 

 سألتها "فاطمة" و تنهّدات البكاء تُكسّر صوتها ":أختي، كيف نخبر "عبّاس"؟، و متى تُشيّع الجنازة و نُعلم النّاس ؟ "

فأجابتها":إن حرارة رحيله حشرجةٌ تحبس هيام فؤادي, فصبرًا عليّ يا أنيسة أحزاني، أخاف أن يغدر بأخي العدوان، إن اعترى قلبه الأسى و الحنان، و عندما تصل جثّة أبي من إيران، نشيّعها و الأقارب  

و الجيران".

     و مع إشراقة اليوم التالي أزاحت ملكة البهاء بأصابعها الدّافئة  بعضاً من ستائر السّماء الدّاكنة و ألقت بأشّعتها العسجديّة على غيومٍ متلبدّة فلوّنت أطرافها، أيلول عاد و ما من ارتحالٍ لصمته إلاّ عند الرّبيع, فالطّيور تركت له حيّزًا في السّماء ليستريح، و الأشجار أعرت أغصانها لتصافحه و الرّيح، وطيوره المهاجرة تؤكّد أنّ الرّحيل مكتوبٌ للجميع ... بالرّغم من أنّ اليوم عطلتها، فاجأ "زينب" اتّصالٌ من المشفى لمزاولة عملها، فأسرعت لتأدية واجبها, إذ اشتدّت المعركة و كَثُر جرحاها...

   -" آجرك الله على مجيئك يا "زينب", بالأمس أتانا جريحان كان وضعهما خَطِرًا، هلاّ اطمأنّيت عليهما؟" قالت لها زميلتها متابعةً عملها ... بينما كانت تنفّذ ما أُمليَ عليها، لفتها اسم "عبّاس" على باب أحدهما، هرعت إلى غرفته ليصدمها مقاومٌ مقطوع الكفين، مضمّد الرّأس، مُغمض العينين . عرفته...

 و كيف تجهل الحنونة أخاها ؟! إنّه هو حامي زينب، حبيب فاطمة . صرخت باسمه و هي صامتة، ووقفت دقائق أمامه واجمة ... ثم دنت منه و مقلتاها دامعتان، مقبّلةً جبينه قائلة ":بنفسي أنتِ مولاتي يا فاطمة، كيف أُنفّذ وصيّتكِ الآنفة؟ و لا كفوف أُقبّلها و لا أيدٍ ألثمها, ألا فانظري حال المقدام أمامي..."

        راحت "زينب" تنسج من الصّبر مناديل الدّمع، تشرب التّجلّد في كؤوس الأسى، و تعبّد بالحسرات دروب الرّحيل, باحثةً عن المرسى ... تُحمل الأياّم ما اعترى في نفسها,شاكرةً اللّه على المصاب الجليل,مُسلّمةً بأنها لم ترَ إلاّ الجميل.و كان اللّطف الإلهيّ عود"عبّاس" و إن كان جريح، و سلامة "حسن" بعد المحاماة عن أخت "الذّبيح".

     وأخذت "الرّوزنامة "تُقلّب صفحاتها، و تُغيّر تواريخ الأياّم و الأزمان، حتّى كان في بداية العام التّالي ما كان:إذ فُتحت الجبهة مجدّدًا مع العدوان,مع اللّعنة أبناء أبي سفيان، و ليُرَدّ عن الأهل جور السّفلة

و الطّغيان، هبّ لإبادتهم شبابنا الشّجعان . فكيف نقف على الحياد و الهلاك يهدّد لبنان ؟! أَنَهابُ موتاً

و السّلام كلّه في بياض الأكفان ؟!

 الوجهة جليّة و "القصير" هي العنوان ... و كان "حسن" في طليعة الشّبّان, الهمّ وحده ردّ العدوان، فلا جبهة نصرةٍ تبقى و لا داعش و لا الجيش الجبان، كلهم سيعدمون برفّة جفنٍ لأبطالنا الفرسان ... فيسيطر رجال مقاومتنا على الميدان بنداء":لبّيك يا صاحب العصر و الزّمان".

     وهناك وقفت زينب تهزّ بصبرها الأركان، داعيّةً أن يتقبّل الكريم منها القربان . قد سلّمت الأمانات

و تسلّمت الأشجان، خاطبت قبور أحبّتها في جنة الرّضوان، و عيناها مع الدّمع ستنمهلان، قالت ":أقف على قبرك يا أبي، و الذّكريات تمور في وجداني، هل تذكروني أم قد اعتراني دجى النّسيانِ ؟! أنا التي ثملت لياليّ من الأحزانِ، و توقّف بعد رحيلكم زماني، فأضعت في هذه الدّنيا مكاني، داووا فؤادًا مكسورًا برؤياكم ينجبر، فعبراتي على فراقكم كالسّيل تنحدر، و فيّ بركان شوقٍ كلّ دقيقةٍ ينفجر..."

   في تلك اللّحظات استرعى انتباهها قبر أخيها "علي"، تذكّرت بسماته حين يلاعبها، و نظراته حين يحاكيها":أخي، رحلت إلى الحرب ناسياً طريق الإياب, قتلك يهوديّ تموز يا خيرة الشّباب، و قد جئتك واقفةً أمام الأمواج العاتية لرياح الجفاء، فهل ستمخر سفينتك عباب هذا الفضاء؟ما مضى لقاءٌ بلا فراق، خوفي أن يمضي فراقنا بلا لقاء..."

        أما حسن فكان يودّع جدران "مسجد الإمام عليع " و الأبواب . بعد أن صلّى ركعتين في المحراب، توضأت وجنتاه بدموع شوقٍ لسيّد الشّهداء، فكلّ ركنٍ في المسجد فيه عطر الدّماء . بالأمس كان حول "عبّاس الموسوي"يتجمّع الأتراب، منصتين بقلوبهم، مرتشفين بأعينهم كلمات الخطاب، و اليوم تراهم أعينًا تحرس جبالًا، ترعى الهضاب . يدنيهم للقائد توقٌ، أملٌ باللقاء ... قد ولد بين جدران الكعبة "أبو تراب",و السّيّد بارك ولادة أشباله في بيت الله، فكانت رصاصةٌ قضت على باقي الأحزاب, مثبتةً أنّ "حزب اللّه" للأبد هو الغلّاب.

    ثوان ٍو مزّق صفحات تفكيره نداءٌ باسمه الجهاديّ":تراب...زوجك بانتظارك". ما إن علم حتّى قبّل الأرجاء ببريق عينيه، مُلقياً على الرّفاق تحيّة أهل الجنّة، و أسرع لرؤية "زينب" التّي  كانت واقفةً  في حديقة المسجد كالزّهرة بعبائتها السّوداء، زهرةٌ في أيّار تفتّحت آن لامستها أشعّة ذكاء ... دنا منها فسمعها تتمتم بفاتحة الكتاب، عيناها على المقبرة تحدّث بصمتٍ الأحباب . و عندما أبصرته ابتسمت مسلّمةً بعينيها قبل الكلام, في تلك العينين كان "حسن" يفهم ما يعجز عنه بقيّة الأنام، يراها تلمع كالنّجوم وسط الظّلام، كيف لا و هي نفسه تشاطره الحياة و حتّى المرام...

   سألها ناظراً إلى بطنها ":كيف حال طفلنا الصّغير ؟" أجابت مبتسمة، و كأن مناها الوحيد أن تسمع ما استطاعت صوته الجميل، و كان لها ما تمنّت ":أتذكرين عندما زففت إليّ النّبأ ؟ كنّا هنا في احتفال ولادة الرّسول قبل سبعة أشهر، و قد نذرت الطّفل للمقام "

فضحكت ضحكةً خافتة قائلةً":أجل، أوأنسى واجبًا ؟.

-ما رأيكِ بتسمية المولود "محمّد"؟

-إن شاء الله يا أبا محمد ...

   ابتسم مطبقاً على شفتيه يروم وداعها، وتعصيه الكلمات في حضورها> سألته عيناها ساحبةً أحرفًا أخفاها، فقال ":يُذكر أنّ أمّ ياسر قبل شهادتهما، قالت للسّيّد":أنا حوريّتك يا سيّد في الدّنيا و الآخرة "

-و أنا حوريّتك يا تراب ...في الدّنيا و الآخرة . أتسمح لي أن أزور الجنّة في غيابك؟

  مقبّلاً جبينها أجاب ":أخاف عليكِ أن تأتي وحدكِ,انتظري عودتي,وعدٌ لمقلتيك ما إن أصل حتّى نزورها سويًّا.."

      مضى إلى الشّهادة، و مضت معه الأيّام، فكان في القصير ما لا يحمله لبّ عاقل، سيطر الشّباب على المداخل، ولم يبق من السّلفة السّفلة إلاّ القليل ليُقاتل .بيد أنّ مرور حربٍ دون شهداء كلامٌ باطل...فكلما ارتفعت وتيرة الحرب زاد الجرحى، و ارتفع شهداءٌ أفاضل .و"زينب" بقيت تزاول العمل رغم أنّها حامل، تسأل عيناها عن "حسن" كلّما وصل مُقاتل . تبكيه في عتمة اللّيل و نهارًا تناضل، تتصبّر بالغريبة و فداءً لعينيها تُكابر.كلما زُفّ شهيدٌ بدت كالورد الذّابل...

      وقبل أن تُطهّر الأرض بالكامل، جاءهم جريحٌ، في عينيه آلاف الرّسائل، أخرج من جعبته ورقةً طهرّها دمه السّائل، وسلّمها لزينب قائلاً أنّها من "تراب" . شمّت الرّسالة و قد غسل الدّم الّذي عليها دمع عينيها، ففيها عطر الجهاد و نسيم أرضٍ حُمل من كربلاء .قرأت بعد عبارات الحمد و الثّناء، و الحبّ و الشّوق للقاء :

   يوم الخميس الّذي يصادف بعد غد, سأحاول الاتّصال بكِ السّاعة السّادسة مساءً.حبيبتي أشهد بأنّك أدّيت جهادك في حسن التّبعّل و أحسنت، فادعِ لي أن يقبل الله جهادي.

       حملت أسفاري و جئتك متّكئًاً      أقدّم لكِ ما عبّرت عنه جراحي

       فاقرأي منّي أكان صوابًا أم خطأً     لعلّك تكونين متّكئي و سلاحي

       استعين به عند كلّ ضائقةٍ       مستبدلاً أياّم هزيمتي بناحي

       و كلمة حقٍّ تُقال في نهاية     لا حرمني الله منكِ يا حياتيب    

     فبعين بصيرتك أستبصر          والصبر للقياكِ بات محرابي

               اعتني جيّدًا بنفسك، و بنفسي الّتي استودعتها فيكِ، محمّدنا...أحبّكِ تراب

      فجر الخميس استيقظ "كربلاء"صديق "حسن" على ترتيله لآيات القرآن، أنصت حتّى أنهى فسأله مبتسماً  ":أتصلّي قبل الآذان ؟"

-        ألا يحبّ الحبيب خلوة حبيبه؟!

-        أراك هائماً يا صديقي في هوى الخالق، أفلا تركت شيئاً للمخلوق؟

ابتسم تراب مجيباً لسؤال صديق الحرب الجنوبيّ ":بلى..تركت الكثير,أسكنت الخالق حرم قلبي، و أعطيته لزوجٍ خلقها من نفسي ..."

-فليجرك الله من هؤلاء الأغبياء، إن سمعونا اقتلعوا قلبك لملاقاة الله...

    و بضحكةٍ علويّةٍ ختما حديثهما، و باشرا بمراقبة المكان، فهدوء اللّيلة الماضية يضعهم أمام خيارين :إمّا فرار المسلّحين أو تحضيرٌ للمعركة الأخيرة...تمركز الشّباب، كلٌ في موقعه ينتظر الأمر بالضّغظ على الزّناد.و عند سماع النّداء بتلبية مستأصل أهل التّضليل و الإلحاد، باشروا بتصفية أهل العناد.

     و قبيل السّاعة الخامسة تذكّر حسن وعده لزينب، فاغتم . كان المتوقّع أن يتوقّف إطلاق النّار قبل ساعة. أحسَّ "كربلاء " بانزعاج صاحبه، فزحف نحوه سائلًا  عمّا أهمّه . فما كان من الأوّل إلّا أن أخبره...قال كربلاء":لا عليك يا أخي، الآن نستأذن القائد المحوريّ و نعود إلى المركز آن يهدأ إطلاق النّار. لم يبقَ إلا خمسة ..." 

-        لا بأس، لن أترككم الآن، سنعود سويًّا بعد نصف ساعة بإذن الله..

بعد نصف ساعة، ساد الهدوء و غُلّف الفضاء بغبار القذائف، و لم يبقَ للتّكفيريّين سوى أثر الدّماء و الأشلاء، فحمل الشّباب جرحانا و الشّهداء. و بالتّكبيرات غادر الشّباب ... و بينما كانوا يهمّون بالمغادرة أبصر حسن قنّاصًا كالحيّة ملتفٌّ وراء عامودٍ على سطح إحدى البنايات...

  أمّا "زينب" فاستجدّ عملها و اضطرّت أن تبقى حتّى السّاعة . أوضاع الجرحى خطيرة و لن يتسنّى لها المغادرة قبل نصف ساعة . و عندما أنهت خرجت بثياب العمل، و استقلّت أوّل سيّارةٍ رأتها ...ما إن ترجلّت منها حتّى أسرعت دون الالتفات، فصدمت جانبها إحدى السّيّارات ...

      في تلك الأثناء، أطلق القنّاص رصاصته الغادرة لتخرق جمجمة "حسن" الّذي حاول جاهدًا ردّ الطّلقات عن أصدقائه، فكان درعًا لأجسادهم الطّاهرة و خوذةً لرؤوسهم التّقيّة ...وأمضت حياته أمام عينيه، و كان ثغرها المبتسم آخر ما أبصرته مقلتاه، فصرخ ":لبّيكِ... يا زينب " بملء شفتيه, و سقط مرتفعًا شهيدًا بعد أن أغمض النّجيع عينيه...

       إبّان ارتقاء روحه إلى السّماء, لعلّها التفتت إلى الوراء قائلة:

سألت روحي بعد طول عناء    كم أحببت في الكون من حوراء

أجابت و الرّوح تتنهّد فرحًا    هل للقلب متّسع لأكثر من ولاء؟

فرشت لها بين أجنحته وردًا      تفوّحت منه كلّ العنبر و الدّماء

جفّت عروقي و طعم بلسمها  سائحٌ  فاح عطره فوق كلّ الأرجاء

زينبٌ لكِ في القلب مرتبةٌ          لم يعتلها سواكِ من النّساء

لو كان السّبق لغيركِ لكنتِ أنت خلاصة حبّي في الأرض والسّماء*

 وعلى السّرير في غرفة العمليّات، ابتسمت زينب و صرخ "محمّد" مستقبلًا آلام الحياة، و بقي أربعين يوماً تحت المراقبة حتّى تماثل للشّفاء، و ما لبثت ابتسامة اللّقاء إلا بضع ثوانٍ، قد أيقنت  زينب حينها أنه حان وقت الفراق، فاستودعت طفلها للدنيا تخلق له النّهار أماً و اللّيل أباً، تنهدت و امتثلت إلى الباري قائلة :"بحق ضلع الزّهراء لبيت لكِ الوفاء يا مولاتي يا زينب ".

 كانت هذه عبارة وداعها ولسان حالها يجيب بعلها:

هات يدك واحملني إليكَ   فبعد الشّهادة يطيب اللّقاء

وأنا الملوعة قد رأيت كم  مزّقتني رياح الجفاء

فراشة قلبك  قد حلّقت  مسرعةً إليكَ تلبي النّداء      

 

 

 

 

قصص مهداة للمجاهدين والشهداء

                                      ♥قافلة العشق♥

 

   تختصرنا الأيّام...و تشقّ بنا عباب الماضي،لتحضر على أوداج الذّكرى كلمةً كلّما رسمت،

 

عزف القلب معزوفة الدّمع المتكسّر على أوتار اللّوعة,مرسلاً صداه كناي حزين، يحاكي غديراً

 

مهجوراً..في زمن يسكن فينا و نحن عنه بعيدون...

 

نتنشّق هواءه عندما يحاصرنا اختناق الحاضر...

 

قبلة جمال في عالم الجمال...و بسمة رجاء على شفاه الأجيال...

 

و حكمة تذاع..بُصمت من على قمم التّاريخ،أصداؤها تتمايل،تنفجر،لتكون صورةً لمعانيها ومعنى

 

أعمالها المجيدة ،صورة ارتسمت بين سطور الزّمن، أعجوبة قدر ..تجلّت على زبد الآفاق.

 

قبضة حياة غاصت في الأفكار،و زحفت على السّواعد،و تلألأت بين أوتار الرّوح..فكان

 

استشهاد، و كانت تضحيات..لحماية ابنة فاطمة عشقاً لها،و وفاءً لقسم لا و لن تسبى الغريبة

 

مرّتين...

 

فهنيئًا لهم ما حقّقوا،فالشّهداء هم القلب و العين،على الأهداب استراحوا ، فاسمعوا أمواجهم تتكسّر

 

على رمال شطآنهم ، و تتعانق أهدابهم،فيعفّون عن الحوريّات المرفرفة بأجنحه النّور... 

 

غرّدوا عصافير على غصن تنقط منه حبيبات المطر العالقة عليه,ثم ما لبثوا أن نفضوا ريشهم

 

وطاروا فاردين أجنحتهم ليستشعروا الحرّيّة والدّفء بعد ليلٍ بارد...وراحوايغرّدون أغنية اليوم

 

الجديدة.

 

    كان الثّالث عشر من شُباط...

 

"جواد غريب" على أعتاب المنزل..

 

يريد توديع حبيبة القلب...

 

مشت إليه بخطوات متثاقلة..محاولةً إخفاء دموعها..

 

رمقها رمقة حبٍ و قال: " ربما أقتل ، أو أُأسر ، أو أجرح؟"

 

قالت:"ما هذه إلّا عقيدتنا،و ما هذا إلّا نهجنا،فافرش دمك بساطًا أحمر مخمليّا تمهيدًا لظهور

 

المهديّ (عج).."

 

وهمست بصمت :"من أجلي كن بخير"؛

 

ابتسم ابتسامة باردةً،ومضى...

 

مضى..و في قلبه شوقان،

 

شوق لأُمّه و حبيبة القلب،و شوق للحسين(ع)

 

رحل و (يا عبّاس)عصبة على جبينه..

 

و يداه  على  سلاحه يحمي بهما ابنة الكرّار،

 

آملًا بأنّ الطريق التي سيسلكها نحو أرض الشّام  ستكون طريقًا نحو الجنة.. نحو الخلود.

 

    كان عصر نهار الجمعة؛

 

و ايلول يلملم ما تبقي من أيّام الصّيف؛

 

والسّنونوات الباحثة دوماً عن الدّفء تهاجر نحو الشّمس..

 

يقال أنّ لأيلول سكونًا لا يعرفه أيّ شهر في السّنة؛

 

رغم ما يحمله في طقسه من حرّ آب، إلّا أنّ لمحة الحزن لا تفارق سماءَه؛

 

وتبقى الشّمس فيه للرّحيل في أيّ لحظة خلف لون رماديّ يعانق لمسات السّواد؛

 

لكنّ صوت القذائف والرّصاص وتحليق الطّائرات المروحيّة مزّقت هذا السّكون عصر ذالك

 

اليوم في ضواحي القصير..

 

   

 

 

 

 

 

 

إذ إنّ مواجهات عنيفة كانت تدور بين مجموعات من رجال المقاومة الإسلاميّة ،وقوّة تكفيريّة

 

متقدّمة،لعلّها جبهة  النّصرة، ضمن نطاق (جوسي )كانت متّجهة نحو قرية (الغسّانيّة) لضرب

 

أهداف مدنيّة..

 

وفي التفاصيل أنّه عند السّاعة الخامسة والدّقيقة الخامسة والأربعين؛

 

كمنت مجموعة “لواء أبو الفضل العبّاس " للقوة التكفيريّة المتقدّمة..

 

كما قامت مجموعة الشّهيدين "محمد جعفر داغر" و "خليل نصر الله" بعمليّة التفاف وتطويق

 

مكان الاشتباك،ولدى استقدام العدوّ لتعزيزات إضافيّة عند السّاعة السّادسة  والدّقيقة الأربعين،

 

قامت مجموعة الشّهيد "محمّد حيدر الفيتروني"  بمهاجمتها،و قد ألحقت أضرارًا فادحةً في

 

جيوش العدوّ..

 

     كان "يوسف" ،جواد غريب،عنصرًا من المجموعة المؤلّفة من "مهدي",

 

"ذوالفقار"،"عليّ"،و"هادي"،بقيادة "الحاجّ  حسن"،و لكن هذه المرّة،وجه جديد دخل

 

المجموعة،الأخ "رضا".. وقد كان دور هذه المجموعة مساعدة الأخوة الّذين وقعوا في الكمين...

 

      كان الشّباب متحمّسين للهجوم،متعطّشين لدعس الدّواعش،فاستأذنوا" الحاجّ حسن " للهجوم،

 

فما كان جوابه إلّا:"يا أيّها الّذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا و اتّقوا الله لعلّكم تفلحون".

 

و فيما الشّباب منتظرون،أتى الأمر بالتّدخّل،و  الاشتباك مع قوة الدّعم التّكفيريّة التي تدخّلت

 

لمساندة الجنود الذين وقعوا في الكمين. 

 

     أعطى الحاجّ "حسن" أوامره الى “هادي” "ذو الفقار" و"علي” بالالتفاف على القوة

 

ومهاجمتها من جهة ، فيما "الحاجّ حسن "و "مهدي "يتابعان العمليّة،أمّا "جواد غريب"

 

و "رضا", فيهاجمان من الجهة الأخرى الغربيّة..  

 

وكان بصر “الحجّ حسن” يتابعهما حتّى لمحهما يتشابكان وجها لوجه مع جنود العدوّ وعلى

 

مسافة لا تتجاوز المتر الواحد..

 

   فكأنّي بمهدي يصف المنظر:

 

"الخيل غاضبةٌ على أرسانها،و البيض غاضبةٌ على الأجفان،صلّ الحديد يفوق كلّ زمانٍ،

و الموت من قدّامهم وورائهم،و الهول كلّ ثنيّةٍ و مكان،أنّى التفتّ رأيت رأسًا طائرًا لداعش أو النّصرة مهجًا مطعونةً بسنان...يمشي الرّدى في إثر كلّ قذيفةٍ،فكأنّما تقتاده بعنان،فالجوّ ممّا فاض من أرواحهم،لا تستبين نجومه عينان،و النّهر ممّا سال في مهجاتهم،يجري على أرضٍ حمراء الأديم كأنّها خضيب بَنان..."

 

أمّا "هادي" فراح يطلق الرّصاص من سلاحه متقدمًا نحو التّكفيريّين وهو يصرخ:

 

 "لو أستطيع كتبت بالنّيران                    فلقد عييت بكم وعيّ بياني

ولكدت أستحيي القريض و أتّقي             أن يستريب يراعتي وجناني

أمسى يعاصيني لمّا جشّمته                    فيكم وكنت وكان طوع بناني

يشكو إليّ وأشتكي إعراضكم                 الله في عانٍ يلوذ بعان".

 

وكأن روحه تتمنّى مفارقة جسده شوقاً للقاء أحبّائه الشّهداء الّذين سبقوه إلى حيث رضوان الله

 

تعالى..

 

    لحظات وخفت الصّوت تدريجيًّا، وقد وضع هادي يده على خاصرته اليسرى بعدما أصيب

 

بطلقة ناريّة،ثم أصيب بشظيّة أخرى في رقبته وهوى إلى الأرض .. فانغرست أصابعه بين

 

التّراب ..

 

:"وهذا يا أرض الشّام دمي .. فاجعلِ ترابك كفني ".

 

وأغمض عينيه، وعرجت روحه مسرعة نحو السماء..

 

أمّا عليّ فكان ينادي :

"أنا من أنا؟

أنا لست إلّا جعفريًّا جرحته يد الزّمان..

أنا من أنا؟

أنا لست إلّا صابرًا رغم المآسي و المحن..

أنا من أنا؟

أنا لست إلّا طالبًا، شرف اللّقاء بالحجّة ابن الحسن(عج).."

 

     ثم ما لبث ان لحق به "هادي" بعد أن فتكا بجيوش العدوّ، و ألحقا بها خسائر فادحة..

 

فيما كان "رضا" و "جواد غريب" يتابعان المواجهة و هما يردّدان بنفس واحد :(تزول الجبال و لا تزل،عضّ على ناجزك،أعر لله جمجمتك،اغرس في الأرض قدمك،إرمِ ببصرك أقصى القوم،و اعلم أنّ النّصر من عند الله سبحانه..)

 

     لكنّهما حالما فقدا الاتصال بالمجموعة الأولى،وبدآ الانسحاب تدريجيّا لأنّ ذخيرتهما بدأت

 

تنفذ،حتّى سقط “رضا" جريحًا على الأرض،فحمله “جواد غريب” وتابع انسحابه واختبآ في

 

مغارةٍ قريبةٍ من ساحة المعركة،و جيوش العدوّ تبحث عنهما..

 

بقيا ثلاثة أيّام بلياليها حبيسيّ المغارة،و "جواد غريب" يحاول التّخفيف عن "رضا" الّذي كانت

 

جروحه بليغة.

 

وفي اليوم الثّالث،قال "جواد غريب" لرضا :

 

"ما هذه الرّائحة؟؟والله ما شممتُ بحياتي أجمل منها"؛فتبسّم الأخير  وقال:"إنّها رائحة الشّهيد،رائحة الجنّة الّتي وعدني بها ربّي،يا يوسف.. دقائقي في هذه الحياة الدّنيا باتت معدودة،أستحلفك بالزّهراء(ع)،أما أوصلت هذه الرّسالة إلى أمّي،و سأسأل الله بكرامة الزّهراء(ع) أن يحقق لك حلمك و يلحقك بركبنا" .

 

و تصاعدت كلمات لبيك يا زينب مع زفرات روحه،مثقلةً كاهل "جواد غريب" الّذي لم يكن

 

قادرًا،بسبب إصابته بكتفه،على حمل جثمان رضا الطّاهر...فدفنه داخل المغاره...

 

عمل على تصليح الجهاز الذي معه ليعاود التّنسيق مع المجموعة الأولى الّتي كانت تبحث عنهما،

 

لم يستطع,ترك المغارة بعد أن تأكّد من أنّ قوّات العدوّ قد يئست من التّفتيش عنهما، و بعد سيرٍ

 

طويل،إلتقى بمجموعةٍ من الحزب ساعدته؛فتمّ نقله فورًا إلى المشفى حيث تلقّى العلاج المناسب..

 

   لكنّ يوسف لم ينس الأمانة ،فقَبْلَ ذهابه قصد منزل أهل "رضا" الواقع في البقاع،تحديدًا في

 

بعلبكّ، لزفّ نبأ الاستشهاد..لكنه فوجئ بصورة كبيرة للشّهيد, قد عفا عنها الزّمن, معلّقة على

 

بوّابة الدار و مكتوب عليها :<بأمان الله يا شهيد الله>.

 

دخل الدّار حيث "أمّ رضا" و أُخته جالستين في الحديقة,سلّم و باشر بالكلام:

 

-أنا "يوسف" صديق "رضا" النّبيل,أزفّ نبأ الاستشهاد,فالعبّاس سيكون الكفيل

 

قاطعته قائلةً:

 

-         ما لك تتلاعب بمشاعري و أعصابي؟؟ إنّ رضا مستشهد من حرب تموز.

 

-         أوليس الّذي بالصّورة؟

 

-         بلى,

 

- يا أمة الله,أقسم بضلع الزّهراء ( ع) أنّه كان بصحبتي,و قد دفنته داخل المغارة,و هاك هذه

 

الرّساله أمانه كان قد أوصاني بإيصالها لك.

 

- أرجوك بنيّ,لقد مضى سبع سنوات على الفراق,فشاب ابن بنتي و شاب بنوه,و حرقة ضناي

 

في الفؤاد كما هي,لا تزد على قلبي و تحدّثني بالمستحيل..

 

هنا,تدخّلت البنت قائلة:

 

- يا أخ,هل لي بالرّسالة؟فانا أعرف خطّ أخي جيّدًا.

 

- تفضّلي.                                                                       

 

باسم العليّ الأعلى،

غاليتي..

منذ افترقنا،لم أذق وسَنا          للهِ ما صنع الفراق بنا!

أمّاه لم  أنسَ قولك الّذي          ملأ نفسي أسىً وجوانحي شجنا

:ماذا جنينا  كي  تفارقنا؟         أمللتنا و سئمت صحبتنا؟

سأجيبك بلسان معتذرٍ             لم تجن أنت ولا مللتُ أنا

لكن   رأيت  الماء  منطلقًا           ريًّا فإن هو لم يسر أجنا                                              

 

و السّيف إن طال الثّواء به        يصدأ و يصبح حدّه خشنًا

لو كان يألف بلبل    غردٌ           قفصًا،أحبّ مقاومٌ هذي الدّنى

كره الورى   طول المقام بها       فاستنبط العجلات والسّفنا

مضينا  و  الأحبّةَ   بقافلةٍ          قافلة العشق  أماه أغرتنا

قف، يا قطار، على ربوعهم         إنّ الأحبّة، يا قطار .. هنا

هذي منازلهم  تهشّ   بنا         أخطأت.. بل هذي منازلنا

ما حللنا   بأرضٍ   عربيّة          إلّا و صارت لكلّنا وطنا

استشهدت   فداءً    للبنان          لكنّ أرض الشّام شذىً وسنى   

وطنٌ    و أهلٌ   لائذون   بنا       أفنخذل الأهل و الوطنا؟

فلسطين إنّا قادمون  فابشري     و أبشري إسرائيل بالفنا..

                                                                              ابنك المجاهد... ♥

 

    و لسان حال الأم :خذ إلى لحد رفاتي,نلتقي عند الممات,قرّب الله وفاتي,بعدك ضاعت حياتي..

        أسدل اللّيل ستاره,بالدّجى تاه المسير, و ذئاب الرّيح تعوي , و المدى صمت كبير...

 

أبت الشّهادة إلّا أن يناله سهمها,فكان الثّرى مثواه , و الجنّة مأواه ,و هاهو ضريح "يوسف"

 

اليوم مزار توّج ب((هنا يرقد الجواد الغريب))...أجل, لقد مرّت عليه القافلة .

 

                                                                         المدرسة :ثانويّة الإمام المهديّ(عج)   بعلبك  

 

                                                                         الصّفّ :الأوّل ثانويّ

 

                                                                        المعلّمة المشرفة :أميره حمزه

 

                                                                    *اقتباس من الشّاعر إيليّا أبي ماضي

       

                                                       ملاحظة:<هذه الرّواية مستوحات من قصة واقعيّة>

                                                                       # بقلم :سجى يزبك


   

قصص من وحي الشهادة

ثانويّة المهدي(عج)-بعلبك

سَاْجِدٌ لِرَبِّه

تأليف :زينب كمال رعد

3/21/2015

 

 

تدور أحداث القصّة حول امرأة اسمها"رحيل"عانت لتتزوّج من "أحمد"بسبب اختلاف طائفتها عنه،ثمّ ربّت ولدها "ساجد"على الإيمان والورع عكس ما اعتقده الجميع لكن سرعان ما تستشهد بفعل يد العدوّ الإسرائيلي و يقاسي طفلها غيابها   فتصطحبه إلى رحلة في غيبوبته مليئة بالغرائب وتبني منه سلاحًا للمجتمع على عدوّ واحد هو الإرهاب والتّكفير.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                 

 

غفَت "رحيل"وفي يدها قصةٌ عن ريحانة المصطفى التّي لطالما عشق طفلها قصَّها له.غفت على سرير مدلَّلِهاالصغير "ساجد" وهو بقربها كالملاك الهادئ،لم يعتد النّوم دون صوت والدته وحكاياها الفريدة.وغدًا كانت قد وعدته بالقصّة التّالية الّتي أثارعنوانها فضوله "من أبواب الجنّة"فراح يسألها هل حقّا سيزور واحدًا من هذه الأبواب؟وهل حقّا ستروي له الطّريق السّرّيّ لهذا الباب الغامض؟

  على كلّ عتبة من بيوت الجيران كانت وشوشاتهم ونمّهم يغزو أزقّة الحيّ "ذاك المغفّل "أحمد"تزوّج امرأةً من السّنّة وابنتي الّتي عشقته حتّى العبادة،لم يكترث بها"وأخرى تأكل لحم أختها ميتًا باللّقلقة"اليوم هو سعيدٌ برحيل ابنة الحاج "خالد" لكن غدًا يرى تربيتها لابنه ساجد،لا فقه في الدّين، وبالكاد تفتح القرآن..." هكذا كنّ واحدة تحقد عليها لأنّ ابنتها أحقّ من السّنّة،وثانية لا تثق بإيمانها.لكنّ "رحيل"ضحّت من أجل إقناع والدها بقبول زواجها من "أحمد"فقد رأى خالد أنّه تحت عنوان(شيعي)والاختلاف الدّيني سيؤدّي إلى مشاكل جمّة لكنّ رحيل أصرّت حتّى رضي أباها.أمّا المشكلة الّتي لم ينتبه لها خالد والّتي هي أهمّ من أحمد،كانت عدوّنا "إسرائيل"ففي صباح يومٍ خريفيّ غصّ بحمرة سمائه ونعيق غرابه،رحلت إلى السّماء تاركةً "ساجد"فتًى في التّاسعة من عمره لم يرتو من حنانها وينابيع مودّتها المترقرقة.فقد أسرعت قنبلة العدوّ المزروعة لتُحرق قلب ساجد وتخطف منه أمًّا وُلد العطاء في عينيها ففازت بالشّهادة الكبرى. لم يقدر ساجد على استيعاب الأمر فكيف ترحل وهي صندوق العطاء، ضحّت بنفسها لتعلّمه وتربّيه وتلاعبه وتسلّيه،هي أفضل صديقة،وأجمل امرأة،وأحنّ والدة.وما أعظم مصيبة خالد وأحمد،الأب لم يلبث أن فرح بولادة حفيده ونموّه والآخر لم يشبع من عسل حياته حتّى أتى أمر الله وارتقى بالحبيبة نحو الجنان وأصبحت هناك صديقة أهلها بعيدًا عن أهل الأرض المفسدين فغيبة الجيران لم تنقطع إلّا بعد استشهادها، أمّا اعتقاداتهم فبقيت راسخة أنّها لم تربّي ابنها على الصراط. فما بالهم إن كانت هي لم تفعل فمن ذا الّذي فعل؟هل جزاء الإحسان إلّا الإحسان؟ورحيل كانت دائمًا يد المساعدة والكرم على الجيران،وكانت تمنع زوجها من إهانتهم عندما علم بكلامهم الحقير عنها فثار كالبركان. لكنّ الأيّام كفيلة بإثبات ما زرعته يداها وما سيثمر بعد استشهادها، ثمّ إنّ غيبةً وكرهًا تعشعش في قلوب الجيران أكبر دليل على طريقة تربيتهن ودرجة ورعهنّ هنّ لا غير.

مضت الأيّاموكبر "ساجد" حزينًا قد عانى الكثير من الآلام،فشهادة أمّه قد خلّفت فراغًا لايُنسى فلم يأتِ يوم ٌ إلّا ودموع ذكراه تتناثر على وجنتيه الّلتين اشتاقتا لقبلات رحيل الدّافئة.أمّا الآن وبعد مُضيّ عشرة أعوام من المتاعب والأزمات النّفسيّة عليه،استطاع بمساعدة أبيه الّذي يعمل طبيب أعصاب أن يتغلّب على أمراضه.فالأب المناضل "أحمد" صبّ كلّ اهتمامه في مُداواة نجله الوحيد ورفع معنويّاته والآن يرتاد كليّة الهندسة الّتي تفوّق فيها وتألّق.

    أمّا أصحاب ساجد فكُثر لكنّ المقرّبين منه هما "مصطفى"وابن خالته"علي"، ودائمًا يبذلان كلّ جهدهما ليؤنساه ويمضيان معظم الوقت برفقته.فغياب والده لمداواة المرضى وتركه وحيدًا يُؤثّرُ سلبًا على صحّته؛وكلّ يومٍ كان يقصّ لهما عن أمّه وطفولته معها فترانيم كلماتها جاثمة في أُذنيه ترافق قلبه أينما حلّ،أمّا تعاليمها وتوجيهاتها فكان لها الدّور الأبرز في استقامة حياته قليلًا.فعشر سنواتٍ دون نصحها وإرشادها كفيلةٌ بأن تحرفه عن دينه لكنّ جذور الإيمان الّتي زرعتها في شخصيّة طفلها حافظت بعض الشّيء على دينه وصواب طريقه. بقي ساجد متابعًا لتحصيله العلميّ كما وعد أمّه،محقّقًا أمنيتها بتفوّقه،يعبد الله ويتجنّب ما يغضبه لكنّه لا يعطي للتجهّد ما يستحقّه من الوقت، فكان إيمانه صائبًا مستقيمًا ولكن مع بعد العوائق والإهمال.

   ذات يوم كان ابن خالته علي يساعده على ترتيب غرفته كي لا يتأخّر عن المحاضرة في الجامعة، فكتاب الفيزياء قد ضاع بين الفوضى العارمة في غرفته.وبينما كان علي يبحث عن الكتاب وقعت عيناه على قصّة قديمة،فتحها متصفّحًا إيّاها ولكن ما لبث أن قرأ أوّل كلمةٍ حتّى انقضّ عليها ساجد وانتزعها من يديه ؛ فقال علي متعجّبًا:"ما بك يا رجل؟أقسم أنّي لن آكلها !".

فعبس ساجد وأجاب بعد تنهّد:"عذرًا يا أخي...ولكن سبق واتّخذت قرارًا بأن لن أقرأ هذه القصّة ماحييت،فأمّي هي من قد وعدني بقرائتها لي ولم تقدر على الوفاء...وأنا أحتفظ بها منذ ذلك اليوم المشؤوم."ثمّ غصّ بالدّمعة وجهش بالبكاء،نظر علي والصّمت قد رماه بسهم الألم محتارًا يرى شابًّا على مشارف الزّواج وروحه طفلٌ يبكي أمّه.ربّت على كتفه وقال له:"يا عزيزي لا تُدمي قلبها بدموعك،فوالله إنّ روحها لا تطيق أن ترى ثمرة فؤادها يتألّم."إلّا أنّ ساجد ما كان ليستجيب لكلمات صديقه فباعتقاده ليس بين الموت ويوم القيامة سوى الإنتظار على رغم محاولة أصدقائه إقناعه بوجود عالم البرزخ وانتقال الأرواح بعد الموت إلى هناك وأنّ الإعتقاد به جزءٌ لا يتجزّأ من كمال إيماننا.

    ثمّ إنّ برّ ساجد بوالدته بعد وفاتها كان بوصلة توفيقه في حياته وسببًا في رزق الله ورحمته الشّاملة.فتراه تارةً في مؤسّسة خيريّة يساعد الفقراء ويكفل الأيتام باسْمِها وتارةً في المقبرة يتلو القرآن على لحدها.كانت أمّه ملجأه في حياتها وبقيت ذلك بعد استشهادها،فانشغال والده بعمله المتواصل نهش معظم وقته ولم يعد هناك متّسع لحوار أوسع مع ابنه.كيف ذلك وهو يذهب ظهرًا إلى عيادته عندما يأتي ساجد من الكلّيّة،ويعود في منتصف الّيل عندما يكون ابنه غارقًا في النّوم.وكانت أيّام نهاية الأسبوع تجمع بينهما فيتشاركان الأحاديث ويتسامران،ثمّ ما يلبث ساجد أن يذهب إلى تدريبات بطولة كرة القدم.

    نعم امتزجت حياته بشفقٍ حزين هاجت به رياح الظّلم، ولكنّ بقعةً من الأمل بقيت ترسم بسمة "رحيل"مع مغيب كلّ شمس وبزوغها من جديد.راحت عواصف الحياة تقذف به من كلّ جانب،فبكاءٌ يوم،ونحيبٌ آخر،وتيّارٌ هنا،ومرضٌ هناك.وأسد الملاعب-كما سمّاه أصدقاؤه-لم يعد سوى وشاحٍ أبيض نُسج بالأسى ولوعة الفراق.أمّا أصدقاؤه فهمّهم الوحيد تعزيز إيمانه فبدونه لن يقوى على الصّمود،وحالته في تراجعٍ مستمرّ لن تنجيه منها غير صحوةٍ نحو نور ربّه.

   وفي أحد أيّام العطلة قرّر علي ومصطفى أخذه إلى قاعة في حيّهم لحضور جلسة دينيّة فهو كان قد هجرها منذ فترة ورأى أصحابه أنّه يجب من الآن وصاعدًا  المداومة على حضورها والاندماج بها.وبعد الكثير من الإلحاح وافق على الذّهاب متأفّفًا من ضيق الوقت،وهناك كانت الجلسة عن جوهر الرّوح ورحلاتها ابتداءً من الدّنيا وصولًا إلى البرزخ فإلى يوم القيامة.لم يلقى ذلك اهتمامًا لدى ساجد فبين الفينة والأخرى كان يلتفت إلى علي ويقول له :"أيريد أن يقنعني بيومَي قيامة؟".ثمّ يسأل:"البرزخ؟قل لي هل هناك قبل الميعاد في أصول ديننا كلمة"برزخ"؟! ".راح علي يضرب على جبهته بكفّه ويعضّ على شفتيه،ثمّ همس بحدّة:"أنت ستفلج رأسي يا بلاء،وماذا تفعل الأرواح بعد الموت؟تتنزّه؟! ألم تسمع قوله تعالى{ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون}."لكنّ ساجد كان يقول بعناد ودون تفكّر:"ربّما تعني شيئًا ثانيًا فليس بالضّرورة أن تكون حياة الموتى...".بعد انتهاء المحاضرة غادر الأصدقاء الثّلاثة إلى منازلهم، وفي الطّريق كان لسان علي لا يكلّ فلم يدع طريقة لرسم صورة حياة ما بعد الموت لساجد،ولكن سُدىً.

في صباح اليوم التّالي الّذي كان "الجمعة" ارتدى ساجد ثيابه وأحضر القرآن ثمّ أسرع إلى المقبرة وتلا بعض الآيات على قبر والدته المحفوف بالزهور.ثمّ بعد أن سمع آذان الظّهر أسرع بالذّهاب إلى المسجد للصلاة،وبينما كان يقطع الطّريق بعجل أحسّ بصوت تحطّمٍ سحقه وأبواق سيّاراتٍ غفى مع صوتها.أسرعت سيّارات الإسعاف لنقله إلى المشفى واجتمع النّاس باكتظاظ،وسادت الفوضى وعمّ صياح الرّجال والنّساء.لكنّ ساجد كان يضحك ثمّ يبكي ثمّ يضحك ثمّ يبكي،بعيدًا عن ذلك العالم رأى "رحيل" من بعيد ووجهها ما زال كالبدر ساعة اكتماله فكادت الفرحة تصعقه ثمّ شعر برغبةٍ عارمة لضمّها وتقبيلها فانهمرت دموعه كالأديم تزحف مرتعشة.وهو لا يدري أحلمٌ هذا أم يقظة،فصوت أمّه خرق قلبه وأسرحه في عالم الدّهشة،ولمسة يدها أصدق من الواقع،بل عطرها؟أيكذّب حاسّة شمّه وبصره وسمعه ولمسه ثمّ يصدّق المستحيل؟!لا،ترك أفكاره مع غبار النّسيان وضمّها ثمّ سجد مقبّلًا قدماها وقد امتزجت دموعه بدموعها أنسًا وحنانًا واشتياقًا لا يعرفه هوى الهوى ولا هُيام العشق ولا وجد الغرام. والأمّ تقبّل جبهته ثمّ تمسح دموعه وتبكي.

   ذابت كلماته على ثغره:"أمّي!..."فوضعت رحيل إصبعها على شفتيه وقالت له برقّة تملؤها الثّقة:"صه...دع عنك الآلام يا بنيّ ولْنمضي وقتًا حرمت فيه من حوَرعينيك السّوداوين".

قهقه ساجد بصوتٍ عالٍ وأغمض عينيه رافعًا رأسه نحو السّماء ثمّ قال:"آه،لا أصدّق وأخيرًا عدتي".عندها ابتسمت رحيل و قالت له:"لا يا عزيزي،بل أنت عدت".لم يدرك ولدها عمق كلماتها ولم يكترث لشيء فهمّه الوحيد حضنها الدّافئ وهدفه يديها الحريريّتين ومبتغاه هدوء عينيها وسكينتهما.

  هناك بدأت الرحلة على دربٍ ترابيّ وفي صمتٍ رهيب يكاد يُطبق القلب على صفحات الإنبهار.وبدأت رحيل بعباراتها الأولى :"أتسمح لي أن أكون مرشدتك السّياحيّة؟".أومأ ساجد برأسه مستغربًا ثمّ أصغى بانتباه.على نغمات صوتها أدرك كانّه سمع كلمة "برزخ" فلم ينبس ببنت شفة،وأكملت مصوّبةً إصبعها نحو بستانٍ يأخذ التّفكير إلى فسحات النّضرة والانتعاش وقالت:"أرأيت ذلك البستان والأشجار المثمرة؟ أنت قد زرعتها وأنا رويتها والآن تكبر باستمرار ومساحة بستانك تتّسع يا روحي،فما أعظم عطاءك للفقراء وأن أكون أنا شريكتك.ولكن احذر يا بني من أن تحرقه لأجل عملٍ سيّئ." كادت عينا ساجد تخرجان من وجهه استغرابًا؛فهو لا يذكر أنّه زرع نبتةً غير زهور قبر أمّه.ثمّ أكملت كلامها وأرته فرسًا بيضاء تذهب نصاعتها بالبصر،و أخبرته باحتراس:"إنّها لك ترعاها كلّ يوم وتطعمها،وستمتطيها في رحلتك إلى المقرّ".ثار ساجد مذعورًا محدّثًا أمّه علّها تطمئنه:"أمّي. ..أرجوكِ أكاد أجنّ أنا لا أدري وحقّك بما تقولينه!".حاولت رحيل تهدئته وأمرته بالتّروّي والصّبر فسرعان ما ستتضح له الأمور وتكشف خباياها.

-يا قرّة عيني أنت كلّ يوم تقرأ القرآن أليس كذلك؟

-بلى أقرؤه ولست أُطعم فرسًا.

-أحسنت الآن فهمت.

-ماذا؟!لا لم أفهم...ولكن ما هذه القصور لا تتوقّف عن التّعالي تزداد كبرًا كلّ لحظة، آه من يبنيها بهذه السّرعة والإرتفاع؟!

-هذا قولك سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر.

-هل يتجسّد هكذا؟

-بسم الله الرّحمن الرّحيم { اليوم تُجزى كلّ نفسٍ بما كسبت...}، نعم ألم تسمع قصّة الإسراء والمعراج عندما رأى الرّسول(ص) الملائكة تبني قصورًا للنّاس بحجر من فضّة وآخر من ذهب بسبب هذه الكلمة؟.

ثمّ قاطع حديثهما مجموعة من الشّبّان يحملون الأسلحة ويتبادلون النّكات فكان من الطّبيعيّ أن يسأل ساجد عنهم فأجابته أمّه:"هؤلاء رجال الله،هؤلاء من فُتحت لهم أبواب الجنّة وحفّتهم الملائكة".

-يا الله وهل يأتون بسلاحهم.

-نعم كما قد رحلوا وخلّفوا الدّنيا، بثيابهم وأحذيتهم وبما حملوه.

   وضع أولئك المجاهدون أسلحتهم جانبًا وبدأوا يلعبون بمياه النّهر المنسابة مع سبائك اللّجين فيرشّون بعضهم ويتراكضون كأطفال لا يعلمون سوى حياة البراءة والمتعة على أكفّ الرّخاء.

وقف ساجد يتأمّل محدّثًا نفسه،متمنّيًا لو كانوا أصدقاؤه ومقرّبين منه فغفا في سحرٍ قيّد قلبه إلى أن أصحته قطراتٌ مسكيّةٌ انهمرت على لحيته فتلألأت بسوادها تحت انبثاق خيوط النّور الخجولة،اعتذر أحد الإخوان منه على إزعاجه بالمياه الباردة فتعالت بسمة ساجد تكويها دمعةٌ ساخنة أدفأت خوف جوارحه؛فبادر بملاطفة ذلك الباسل وقال له:"لقد أنعشت روحي بارك الله بك".

  ثمّ شعر بلمسة باردة حول عنقه فأدرك يديّ أمّه تطوّقان رقبته بقلادة حُفر عليها بلونٍ أحمر قانئ رقمٌ ثلاثيّ بين ثلاثتيه واحد ؛ فسألها بلهفة:"أهو الوداع يا نور عيوني؟!".رقّ قلب رحيل فتمالكت أعصابها وقبضت على صبرها محتسبة، وانهارت كلماتها تبلسم تورّد أشفاره ولهيب مقلتيه:"بل إنّه اللّقاء الّذي سيجمعنا، و زينب الّتي أنت حماها".

  في المشفى كان رفاق ساجد يراقبونه من خلف الزجاج،يرقد بسلام في سريرٍ حمله كالعصفور الحزين.وهناك مصطفى يبكي وينحب كالأمّ الّتي ثكلت طفلها:"آه يا عمري ما أجملك في هذا السّرير كالبدر المنير،فليروِ الله تلك الشّفتين الأرجوانيّتين من معين الجنّة ؛انظر يا علي...آخ مرّثلاثة أيّام ولم يذق طعم الماء!".فيصيح علي حنقًا:"يا مصطفى ما بك تنوح كالنّساء،يرحمك الله اسكت فهو لم يمت بعد".ثمّ يحاول أستاذهم "باسم" تهدئة الوضع فيروي لهم بعض معجزات الأنبياء وأهل البيت، وحكاياهم الرّوحانيّة ليقطع مرور الوقت الّذي أضنى مهجتهم.

    ثمّ بعد انتهاء موعد الزيارات ورحيل الأصدقاء رفّ جفنا ساجد وأحسّ بصداع يمزّق جمجمته،حاول أن يتحسّس لحيته فشعر بقليلٍ من القطرات تدغدغه ثمّ أنزل إصبعه إلى عنقه ليستفيق على برودة القلادة فخفق قلبه وهو يتمتم:"يا زهراء..يا زهراء..يا زهراء..".إنّه الإدراك،فجأةً يصعقه بأن يُقرّ مذعنًا وفي ذهنه سلسلة متّصلة مغلقة لانهائيّة من إيمان ويقين أزاح عنه آلام جسده وهدّأ من هول مصيبته وتكسّر أضلاعه.

   بعدها سمع شهيق والده يغصّ بالدّمعة في حلقه فتخنقه بألمٍ صبّ في جسده من رأسه إلى أخمص قدميه.ولكن نظرة ساجد لوالده أدمت سنين عمره بجرعة من العواطف لم يشهدها منذ ولادته فها هو ابنه يولد من جديد ويستعيد صحّته.صاح مكبّرًا وضمّه برفق ثمّ نادى الأطبّاء ليتفقّدوه. لكنّ ساجد حقًّا قد وُلد من جديد،وهو الأعلم بذلك من باقي النّاس،فكيانه تغيّر ووجدانه بالثّبات تبرمج.

   مضت ثلاثة أشهر  تلقّى فيها ساجد كامل علاجه وانتقل من جديدٍ إلى منزله،وفي اللّحظة الأولى لوصوله سارع يريد أن يخبّئ القلادة في خزانته ولكنّه صُعق عندما لم يجدها حول عنقه فنظر نحو المرآة قائلًا:"لا تهمّني قلادة فالعنوان في قلبي باقٍ،لقد حفرته يا أمّي فشكرًا ترميه إليك كلّ عبارات الشّكر".وما كاد يصل إلى المنزل حتّى سمع الضّجيج يعمّ المكان فها هم الأصدقاء قد أتوا والأقارب والأحبّة يحتفلون بشفاء محبوبهم وكان والده قد أعدّ طاولةً تملؤها أصناف المأكولات فهمّ الجميع إليها يأكلون ويُطعمون ساجد،فهذا الّذي يضع في فمه تمرة وذاك الّذي يشربه ماءً فرمضان قد أتى وهذا بابه الأوّل قد فُتح مع أبواب الرّحمة الإلهيّة الّتي شملت الجميع ورحمت ساجد بلطف بارِئها.

  بعد اللّمّة والتّسامر رحل الجميع وذهب الوالد لينظّف الأطباق ويرتّب المنزل بينما ذهب ساجد يخلو بربّه،يناجيه ويدعوه،يتضرّع ويبتهل. وقد بقي كلّ يومٍ على هذه الحالة لا يُدرك بالمساء سوى العبادة والتّوجّه الكلّي نحو الله وجعل يدعو الجميع من فقراء حيّه وأصدقائه اليتامى إلى الإفطار في كل ليلة حبٍّا بأبي عبد الله (ع).وقد تكفّل بدعوة الجميع رجالًا ونساءً لإحياء ليالي القدر حيث كانت الضّيافة على عاتقه وكلّ المصاريف عليه،ثمّ بعد بزوغ الفجر والصّلاة في المسجد غادر المحيون إلى منازلهم وبقي ساجد وحيدًا يكنس المسجد ويرتّب الكتب بتنظيم.وعند السّاعة الثّامنة صباحًا عاد إلى المنزل مرهقًا ينتظره يومٌ طويلٌ من الصّيام فاستلقى على فراشه يرتاح من عناء العمل برضًا كامل عن عظمة أجره وثوابه.

    وعند آذان الظّهر،استيقظ للصلاة وتلاوة القرآن ثمّ أعدّ طعام الإفطار بينما كان والده قد ذهب للعمل.وبعد تناول الإفطار أدّى صلاته ثمّ ذهب في شرود وانتقال إلى عالمٍ آخر فلم يشعر إلّا بنور ربّه يضيء قلبه؛فخرّ ساجدًا سجودًا دام ساعات.في تلك الأثناء كان أصدقاؤه ينتظرونه لمباراةٍ مهمّة كانوا قد تدرّبوا عليها ولكنّه لم يُجب على هاتفه الّذي كان قد أطفأه ممّا اضطرّ علي إلى الذّهاب واصطحابه من منزله.

   وهناك وقبل أن يطرق الباب سمع صوت بكاءٍ مخنوقٍ بتلألؤ شمعةٍ خافت، فاقترب من النّافذة ليرى ساجد في مشهدٍ أربك أحاسيسه فلم يصدّق عينيه واستغرق متأمِّلًا بسرّ صامت، مؤنس، يُحلّق بالأشفار إلى شفافيّة الرّوح.وبينما علي سارحٌ وَ قلب ساجد رنّ هاتفه،كان مصطفى،فردّ عليه بحذرٍ من أن يشعر ساجد بوجوده فبادره مصطفى بالسّلام ثمّ قال:"يا عزيزي هل أصابك مكروه؟ذهبت لتحضر ساجد فاختفيت معه".

ردّ علي :"لا تقلق أنا بخير".

-إذا لماذا لم تأتِ ؟هل أخّرك ساجد؟أهو يلبس ثيابه؟

-لا لم أكلّمه بعد.

-ماذااا؟!هل جننت ؟المباراة على وشك أن تبدأ وأنت تنتزع روحي ببطءٍ مرير.

-يا أخي!إنّه منذ زمن وهو ساجدٌ لربّه...

ردّ مصطفى بالسّكوت والدّهشة الّتي قطعت نفسه؛فكم حلم بأن يتغيّر صديقه الّذي عانى ما عاناه ؛وكم تاق لأن يجدّد إيمانه ويروي ظمأه بمناجاة ربّه.

 ثمّ قال له:"افعل ما تراه مناسبًا،فموعده مع الله أهمّ من موعد المباراة".

   أدار علي ظهره ورحل دون إزعاج صديقه الّذي ترك حول سجدته بركةً من الدّموع النّازفة من قلبٍ تربّى على حبّ الله ورسوله،فأثمرت يدا رحيل حتّى بعد وفاتها ليكون ولدها كما أرادته ذخيرة المجتمع.

    ولكن بعد وصول علي إلى الملعب وإنهاء الشّوط الأوّل دون تسجيل أهداف طلّ عليهم أسدهم فانهاروا فوقه يقبّلونه ويحيّونه.لعب الجميع بجدّ واستعادت أرواحهم النّشاط برؤية ساجد الجديد وانتهى الشّوط الثّاني بهزيمة مزلزلة لخصمهم وتأهّلهم إلى الفوز بمنتخب بلدهم.فاحتفلوا رافعين صاحبهم على الأكتاف مهلهلين تمطر أفواههم بالضّحكات. وبدأوا بإغاظته:"ظننّاك قد تزوّجت ورحلت على بساط علاء الدّين،أو أنّ ماردًا قد حوّلك إلى بعوضة..هههه."فيستشيط ساجد غضبًا ويقول:"بعوضة يا رجل!كلّ هذا الطّول ولم تجد غيرها؟"أمّا علي فيرشّ على الجرح ملح ويقول:"الآن لم تعد تعجبك البعوضة يا ساجد..ألم تسمع قوله تعالى{إنّ الله لا يستحي أن يضرب مثلًا ما بعوضة فما فوقها فأمّا الّذين آمنوا فيعلمون أنّه الحقّ من ربّهم وأمّا الّذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضلّ به كثيرًا ويهدي به كثيرًا وما يضلّ به إلّا الفاسقين}".فقهقه الجميع لعودة ظلّ المرح وروح الطّرافة.

   بعد تلك الّليلة مرّت أيّام كثيرة ولم يسمع أحدٌ فيها خبرًا عن ساجد،وكان أصدقاؤه يقصدون منزله فيطرقون الباب إلى أن يستيقظ كلّ الحيّ ولكن لا أحد يجيبب.في تلك الأثناء كان هو "الكفيل"مع زخّات الرّصاص ودويّ السّهاد المرهقق،كان كتلةً مجبولة بالتّراب والبارود ورائحة العشق.هو ذاك العشق في السّاحات عند مقام الحوراء،لا صقيع،لا ثلوج،لا رمال،لا شموس ولا عواصف حديد تزعزعه؛إلّا الشّهادة،فتكون نصرًا بالدّماء وفتحًا بها.علّمته رحيل أن يكون سلاحًا على التّكفير الأعمى الّذي لا يميّز بين مسيحي أو سنّي أو شيعي،وهو يد الصّهاينة الّذين عملوا على تفرقتنا وسلبوا حياة العديد من الأمّهات والأبناء ومنهم ابنة خالد،والآن جاء دور صناعة رجال يقفون بوجههم ويمنعون زحف الإرهاب حملتهم أرحامٌ طاهرة وأنجبتهم أصلابٌ شامخة.ورحيل اليوم كما قال الخمينيّ إنّها كلّ المجتمع تربّي أجيالًا صالحة وتكون مثل الأمّهات المتكاتفات أمام عدوّ واحد مهما كانت دوائر الاختلاف واسعة فصناعة الرجال مهمّتهنّ ومحاربة العدى مهمّتهم.

   تلاطف الصّواريخ صيحاتٌ حسينيّة، وتؤنس الزّناد أكفًّ عبّاسيّة، وتناغي النّيران جمراتٌ افترشها الأبطال ثأرًا مستعرًا ومشوا عليها جنونًا عابسيًّا. وساجد لزينب قد أتى زحفًا فدائيًّا ناصرًا يزأر في السّاحات ويفني الأعداء راميًا رمياتٍ إلهيّة، أشهرٌ أمضاها كالعسل كان يصفها.

    وفي يومٍ كانت فيه المعركة في أوجّها استدعاء المجاهدون بعض المسعفين والأطبّاء إلى السّاحة لإسعاف عددٍ من الّذين سقطوا على تلك الأرض الطّاهرة.وكان علي من الحاضرين فهو متطوّعٌ مع الإسعافات يخدم المجاهدين الأشاوس،وهناك بعد إجراء العديد من الجراحات االقسريّة و مداواة الجرحى وحمل الشّهداء وصل علي إلى جسد مجاهدٍ آخر فتأكّد من نبضه وحاول إنعاشه لكنّ الشّهادة قد سبقته فكلّلت ذاك الجسد المتيّم بعشق الله أدار علي ذاك المجاهد ليدرك بأنّه ساجد فانهار وخرّ على ركبتيه جاثيًا وقد تلعثم من هول المفاجأة فبعد كلّ ذلك الغياب والهجران يلتقي بصديقه وقد أنهى رحلته عابرًا إلى حيث أراد،وهو لم يعرفه فوجهه كان جوريّة حمراء بلون النّجيع وجسده حقلٌ من الشّظايا والحديد.مسح علي "لحية" ساجد المخضّبة بقطرات الدّماء ثمّ شمّها وانحنى فوق وجهه المتبسّم للملائكة يبكي ويدعو ربّه بصوتٍ يهيّج الأحزان:"ربّاه كما أكرمته بالشّهادة فأكرمني بها واكحل عينيّ المحترقتين برؤية حبيبك محمّد وآله المظلومين".وقد كان لذلك الخبر وقعًا صاعقًا على جميع الرّفاق والأحبّة خصوصًا والده"أحمد"الّذي كُوي قلبه وتقطّع بالمصيبة الكبرى فاحتسب وبقي صابرًا متألّمًا راضيًا بقضاء الله مطمئنًّا لكون ولده في أيدٍ أمينة ومع من أحسن تربيته"رحيل".ثمّ بأمان الله شُيّع ساجدوزُفّ عريسًا بالورود والبخّور وخلف نعشه المنير وقف علي مع باقي الأصدقاء وخاطب روحه ونعشه باكيًا:"وداعًا يا صديقي...اليوم أكملت تلك القصّة بباب جنّتك".

 

علي والقنبلة

    فيما الأسْوَدُ يسحب بوهنٍ أطراف عباءته مغادرًا آخر تلّةٍ تمتدّ على خاصرة تلك البلدة السّوريّة، كان الأبيض الّذي فرش الأديم ببساطه قد بدا نشيطًا، يدقّ مسامير برده في الوجوه.  استفاقت عيون أولئك الشّباب على نداء الجهاد، فهبّوا للصّلاة قبل أن يذهبوا إلى مواقعهم.  ليس ثمّة أثرٍ أو صوت سوى حفيف الثّياب المرقّطة بنتف الثّلج.  انطلقوا بعتادهم الثّقيل ولم يخطر في بالهم أنّها قد تكون طريقًا قصيرة تؤدّي إلى مكان بعيد جدًّا، أبعد من الأفق الأرجوانيّ المخضّب بالمزن الرّماديّة الغاضبة.

    كان يخترق ذاك السّكون صوت رصاصٍ، فهناك من يترصّد تلك الحركات،  عيون فئرانٍ ما برحت مخابئها خوفًا   و ذعرًا من رجال الله.

    إذا أمعنت النّظر في حياة كلٍّ منهم، تجد الطّالب الجامعيّ الّذي يعشق الهندسة وكتبَها، وترى العاشق الّذي غادر حبيبته على أمل اللّقاء، وترى الأب الّذي ودّع زوجته وأولاده، فلكلّ واحد منهم حياة أخرى، وأهل وأحبّة، ولقد تعدّدت طوائفهم وجنسيّاتهم.  محمّد وعليّ اللّبنانيّان المسلمان وجورج المسيحيّ السّوريّ وأحمد العراقيّ وغيرهم ممّن وحّدتهم كلمة الحقّ ووحدة المسار والمصير، سلكوا خطًّا جهاديًّا مرصّعًا بلآلئ العزّة والكرامة. ..

    عليٌّ، ذلك الشّابّ اليافع، ترك مقعد دراسته وكتبَه وذهب إلى حيث الواجب.  غلى الدّم في عروقه، وثارت ثائرته، وهو يرى مرقد العقيلة وأنياب الإرهابيّين تتحيّن الفرص لنهشه، كيف يتجرّأونَ على التّفكير بإيذائه وهو يحتضن بضعة الزّهراء"ع"، الّتى ماتت ودفنت بعيدًا عن موطن أهليها؟ كانت دقّات قلبه تُسمع وكأنّها خبط المطارق، واضعًا نصب عينيه دحر كلّ طاغيةٍ أو إرهابيٍّ يفكّر في الوصول إليها، وكذا كلّ الشّباب الّذين كانوا برفقته.

    تقدّمت مجموعة عليّ نحو قائدها المتسمّر أمامها كاللّيث، نظر إليهم فردًا فردًا: منهم من خطّ الشّيب بعض سطور شعره الأسود ومنهم من كان في أوجّ الرّجولة، ومنهم من كان في ربيع العمر. خاطبهم بلغة الحسين(ع) في كربلاء" من أراد منكم العودة من حيث أتى فليعد، الطّريق مفتوحة أمامه".  إلّا أنّ العيون كانت تعبّر عن مدى تشبّثهم بخيارهم، لا عودة ولا خنوع، وأرض المقدّسات مدنّسة بأنجس الخلق، بأناسٍ لا يعرفون من الإسلام إلّا اسمه ومن القرآن إلّا رسمه.

     بماذا تراها كانت الأرض تشعر وهم يخطّون أقدامهم بين تضاريسها؟  و بماذا ضجّت السّماء و قد تصاعدت همساتهم إليها؟  و هل تراها تعلّمت الرّيح من أنفاسهم الأعاصير والقوّة ؟

     كانوا يتقدّمون وأنفاسهم الدّافئة تتصاعد لتلامس الأنوف الحمراء قبل أن تتلاشى باردة، و قد تحوّلت المنحدرات إلى منزلقات و غطّت الأرض في بعض الأماكن طبقات جليديّة، فأخذ الرّجال يتشبّثون بعتاد بعضهم البعض و يسحبون اقدامهم سحبًا، كان لهاثهم لا يعبأ بالتّعب و التّعب لا يأبه للحظة خدر وعيون جافت النّوم وأبحرت في لجّة الجهاد. ومن يغترف من ذا العتاد الثّقيل؟! ولكن لا بأس فيد إلهيّة تساعد في حمله و أذكار و صلوات تكسّر الجليد عن الشّفاه.

     علقت رجل عليّ وظنّ أنّ شيئًا من جسده قد تكسّر لثقل ما ينوء به، و لكنّه سرعان ما قام وأكمل الطّريق فلا وقت للألم. كانت قدمه تنغرس في الأرض، كأنّ حذاءه العسكريّ يبحث رغم سماكة الثّلوج عن دفء التّراب.   أحسّ بحركة خفيفة، وتناهى إلى مسمعه صوت يتسلّل من بين تلك الأشجار العارية فجرّب أن يتبيّن شخوصهم بين الضّباب الملتف إلّا أنّه لم يرَ شيئًا، ولم تقع عيناه على أثر لهم، فتابع ورفاقه الطّريق، والحذر واليقظة لا تبرحانهم البتّة.   

      كُشِف أمر المجموعة المتسلّلة، المهمّة الّتي أرادوا إنجازها وقعت في براثن الإرهاب، ماذا حصل ؟! أيّ مطر انهمرت زخّاته و لم يضرب البرق أفقًا، ولا زعق في المكان رعد.  هذه الأنياب الّتي برزت وتلك العيون المترصّدة، أرسلت جام غضبها على تلك المجموعة. فأصيب عليّ و سلاحه بيده و القنبلة تلازم قبضته، و جرح آخرون.

     كان عليّ رغم الجراح يتحيّن الفرصة للإيقاع بأكبر عدد ممكن من أولئك الكفرة، فانتظرهم ليفجّر نفسه فيهم.  كان أحمد على مقربة منه فطلب منه الزّحف إلى مكان بعيد ليصلبه الانتظار بمسامير التّرقّب. . دقائق تختزل العمر لتحقّق الحلم "الشهادة"...

    ذاب الثّلج عند ضفاف الدّم السّاخن، فأخذ يشقّ طريقه فوق الأبيض النّاصع بهدوء. ترى ماذا تنبت اليد إذا ما زرعت أناملها في أثلام الأرض، أم ذلك الدّم القاني، إذا ما امتصّه التّراب وسرى فيه؟

 

    كان عليّ يهمس للقنبلة الّتي أبت أن تغادر قبضته: " آن أوان قطافنا معًا، سيرجع هؤلاء قريبًا، وسنأخذ منهم كلّ مأخذ، سندوّي معًا. .."

    كان شريط الذّكريات والآمال يمرّ في خاطره، تلك الأم ّالطّيّبة الّتي كانت أنفاسها تدفّئه وعيناها تزرعان الحبّ والأمل في نفسه، و تلك الأخت الملتهب فؤادها لعودة سندها... و تلك الحبيبة المترقّبة قدوم محبوبها على أحرّ من الجمر. والكتب المستريحة على طاولته الخشبيّة تتوق لدفء راحتيه. أغمض عينيه الدّامعتين و نظر إلى الطّريق الّذي شقّ أمامه، إنّه طريق الجنان، فابتسم و قال :" إلهي ماذا وجد من فقدك؟  و ماذا فقد من وجدك ؟"، ثمّ فتحهما ورمق أحمد بطرفه، وأومأ إليه بالابتعاد، راسمًا على شفتيه الذّابلتين ابتسامة الوداع...

   سمعه أحمد يقول تلك الكلمات، وفهم مراده، وأدرك أنّ الشّهادة باتت قريبة من رفيقه، فأودع عنده سلامه على أهل البيت و راح يزحف حتّى ابتعد عن عليّ. ..

   تقدّمت مجموعة من الإرهابيّين منه لكي تسحب جسده، ظنًّا منهم بأنّه قد استشهد، ففجر نفسه فيهم، ونال مبتغاه.

   وبعد أن خمدت نار المعركة، عاد رفاق الجهاد إلى مكان العمليّة، فلم يجدوا جسدًا لعليّ، فقد تناثر و حلّقت روحه إلى الملكوت، فأسعفوا الجرحى ممّن بقي ليخبر بقصّة عليّ و القنبلة. ..

                                                         ريحانة عبدالله العوطة

                                                           السّادس الأساسيّ

                                            المهديّ(عج) بعلبكّ

همسات من القلب إلى القلب

ما زلت أذكر تلك الكلمات الّرقيقة، وإن صحّ القول التي أعتبرها رقيقة الآن، وحين كانت تنهال عليّ كنت أعدّها كالجبل لصعوبة تقيّدي بها أو الإلتزام. لطالما حدّثتني نفسي لِمَ أمّي دائمًا توجه لي الملاحظات؟ أليس في الكون غيري؟ لَمَ أنا دوماً دون سواي تطلب منّي أن أهتم بدرسي وأثابر على صلاتي و أعتني بأغراضي وكتبي. كنت أشعر كأنّها العين السّحرية الّتي لا يفوتها شيء ، وتراقبني بعينٍ من فولاذ, تتعقّب خطواتي دون أن أشعر بها خلفي، حتّى خُيِّل لي مرارًا أنّها ورائي، ولكن ما إن ألتفت لا أرى شيئًا، و عندما أعود إلى البيت أراها قد علمت بكلّ أفعالي، إذا مازحت مع رفيقي مزاحًا ثقيلًا تطلب منّي عدم تكرارها، وإذا أزعجت معلّمتي أرى علامات العبوس على وجهها، وإن أهملت فرضًا كان العقاب حرماني من ساعة ترفيه أو أكثر، وعند اتّخاذها هذا القرار كنت أسأل نفسي أيعقل أن لا يحبّ المرء ابنه.

وها أنا أمّي الحبيبة قد عرفت الجواب. أجل إنه أسمى أنواع الحبّ الّذي قّدمتيه لي يا أمي، حبٌّ جعل من مهامك المثلى حرصك عليّ وعلى آدائي بين نفسي وبين الناس، حبٌّ وصل بي إلى أن أكون طبيبًا جراحًا ماهرا، لقد ضحيتِ بنفسكِ  لأكبُر وأبني ذاتي، لأكون فردًا بنّاءً في المجتمع، حبٌّ جعل الله دومًا أمام ناظري، لأقوّم عملي، أيرضى ربّي بهذا، أم ينهى عنه؟  حبٌّ جعل من قضية وطني القضيّة الأنبل, حبٌّ جعل من وصاية الأمام السّجاد كرّاسي، ومن القرآن غذاء أُصقّل بها نفسي لأبتعد عن الحرام. أمّي، أدركت الآن، عندما عاقبتني لم يكن حبًّا بالعقاب، ولكن كان رغبة منك في صنع الرّجال، إذ للأمّهات الصّالحات تتاح هذه المهمّة لم تبخلي علي بمعلومةٍ ولا بإرشاد، قدّمت أجمل ما لديك من شبابك، لأصبح شابًا، كانت شمعة منيرة لدربي المظلم، وما زلت ألتمس من ذاك النّور أملًا يخفّف عنّي مصاغب الحياة، ويدفعني إلى الأمام آخذًا بيدي في أوقات الشّدائد.

لذلك مهما قدّمت لك من شكرٍ لن أستطيع أن أعطيك حقّك، لأنّك أعظم من كلّ شكر، ولأنّك كتلةٌ من العطاء، لم تنتظري يومًا شكري، ولكن أعدك بأن أكون كما أحببت أن أكون.

 

·         إبتسام دياب

·         ثانوية المهدي(عج) _شاهد

·         معلّمة لغة عربيّة - الحلقة الثّانية .

 

ابنك البار

 

       

    

الرزنامة


أيلول 2019
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
1 ٠١ 2 ٠٢ 3 ٠٣ 4 ٠٤ 5 ٠٥ 6 ٠٦ 7 ٠٧
8 ٠٨ 9 ٠٩ 10 ١٠ 11 ١١ 12 ١٢ 13 ١٣ 14 ١٤
15 ١٥ 16 ١٦ 17 ١٧ 18 ١٨ 19 ١٩ 20 ٢٠ 21 ٢١
22 ٢٢ 23 ٢٣ 24 ٢٤ 25 ٢٥ 26 ٢٦ 27 ٢٧ 28 ٢٨
29 ٢٩ 30 ٣٠ 1 2 3 4 5
لا أحداث

مواقع صديقة

Image Caption

جمعية المبرات الخيرية

Image Caption

مؤسسة امل التربوية

Image Caption

مدارس الامداد الخيرية الاسلامية

Image Caption

المركز الاسلامي للتوجيه و التعليم العالي

Image Caption

وزارة التربية والتعليم العالي

Image Caption

جمعية التعليم الديني الاسلامي